مِنْ مُقَاطَعَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ إِلَى دَوْلَةٍ: قِرَاءَةٌ فِي الْهَنْدَسَةِ الْإِدَارِيَّةِ الْفَرَنْسِيَّةِ لِلْجَزَائِرِ… “مِنَ الْمَرَاسِيمِ الْفَرَنْسِيَّةِ إِلَى اسْتِفْتَاءِ 1962، أَبْعَادُ الْأُطْرُوحَةِ التَّارِيخِيَّةِ لِنَشْأَةِ الدَّوْلَةِ”
عبدالقادر كتـــرة
يحتل التاريخ السياسي لغرب شمال إفريقيا مساحة واسعة من النقاشات الفكرية والأكاديمية، لا سيما في ما يتعلق بظروف نشأة وتشكيل الدولة الجزائرية بحدودها وهيئتها الحالية. وترتكز العديد من القراءات التاريخية والسياسية على طرح مفاده أن الجزائر بحدودها الشاسعة ومؤسساتها الحديثة لم تكن دولة ممتدة عبر التاريخ بالمعنى السياسي الحديث، بل كانت نتاج هندسة إدارية وقانونية قامت بها فرنسا خلال فترة تواجدها الاستعماري.
أولاً: من إيالة عثمانية إلى مقاطعة فرنسية
قبل الغزو الفرنسي عام 1830، لم تكن هناك دولة موحدة بالحدود الحالية للجزائر، بل كان الإقليم عبارة عن شريط ساحلي خاضع لحكم عثماني اسمي يُعرف بـ “إيالة الجزائر” (Deylik)، يقتصر نفوذه المباشر على مناطق محددة في الشمال، بينما كانت باقي المناطق مقسمة إلى بايلكات ذات استقلالية واسعة، أو أقاليم قبائلية خارج السيطرة الإدارية للديات.
عقب دخول الاحتلال الفرنسي، ألغت فرنسا هذا الكيان، وفي عام 1848 أعلنت الإدارة الفرنسية رسمياً دمج هذه الأقاليم واعتبار “الجزائر جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الفرنسية” (Algérie française)، وقسمتها إلى مقاطعات إدارية فرنسية (Départements) تابعة لباريس، شأنها شأن باقي المقاطعات داخل فرنسا.
ثانياً: التجميع الجغرافي وترسيم الحدود الحديثة
تُظهر الوثائق التاريخية أن التسمية الرسمية “الجزائر” (L’Algérie) أُطلقت بموجب مرسوم صادر عن وزارة الحرب الفرنسية عام 1839 لتجميع المناطق الاستعمارية تحت مسمى واحد. ومع امتداد التوسع الاستعماري نحو الجنوب والغرب والشرق، قامت الإدارة الفرنسية بضم أقاليم صحراوية ومناطق تماس حدودية لم تكن تابعة سابقاً لإيالة الجزائر، لتشكيل خريطة شاسعة تخدم المصالح الجيوسياسية والاقتصادية لباريس آنذاك.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الخريطة الحالية للجمهورية الجزائرية هي نتاج مباشر لعمليات التجميع والتخطيط الإداري التي نفذها الجيش والمهندسون الفرنسيون على مدار أكثر من قرن، حيث جرى رسم الحدود الإقليمية بقرارات ومراسيم فرنسية خالصة.
ثالثاً: آلية الانتقال القانوني عبر استفتاء 1962
تتجلى هذه الأطروحة أيضاً في كيفية الانتقال إلى الاستقلال عام 1962؛ إذ لم يتم تأسيس الدولة عبر إعلان استقلال أحادي أو استعادة لكيان سياسي سابق، بل جاء نتيجة مسار قانوني أطرته الإدارة الفرنسية برئاسة شارل ديغول بناءً على “اتفاقيات إيفيان”.
وقد جرى تنظيم استفتاء تقرير المصير في 1 يوليو 1962 بموجب قانون فرنسي، وببطاقات اقتراع صاغت باريس سؤالها الذي ربط الاستقلال بـ “التعاون مع فرنسا”. وبناءً على نتائج هذا الاقتراع الصادر عن الإدارة الفرنسية، تم تسليم السلطة للهياكل الناتجة عن هذا المسار ضمن الحدود الإدارية ذاتها التي رسمتها المقاطعات الفرنسية.
خلاصة
إن قراءة النشأة التاريخية للجزائر من زاوية “الهندسة الإدارية الاستعمارية” تسلط الضوء على الدور المحوري الذي لعبته فرنسا في رسم الحدود، وتوحيد الأقاليم، وصياغة الأطر القانونية والمؤسساتية التي خرجت منها الدولة الحديثة عام 1962. وتظل هذه الحقائق التاريخية مادة أساسية لفهم طبيعة التشكيل الجيوسياسي لشرق Maghreb الكبير والتحولات التي شهدتها المنطقة في القرن العشرين.

