جُمْهُورِيَّةُ الْخَوْفِ: عِنْدَمَا يَصْبِحُ الْقَلَمُ إِرْهَاباً وَالْكَلِمَةُ خِيَانَةً… الْجَزَائِرُ بَيْنَ مِطْرَقَةِ الْقَمْعِ الْعَسْكَرِيِّ وَسِنْدَانِ الشِّعَارَاتِ الزَّائِفَةِ

جُمْهُورِيَّةُ الْخَوْفِ: عِنْدَمَا يَصْبِحُ الْقَلَمُ إِرْهَاباً وَالْكَلِمَةُ خِيَانَةً… الْجَزَائِرُ بَيْنَ مِطْرَقَةِ الْقَمْعِ الْعَسْكَرِيِّ وَسِنْدَانِ الشِّعَارَاتِ الزَّائِفَةِ
عبدالقادر كتـــرة

تعيش الجزائر اليوم مفارقة مبكية مضحكة، حيث ترتفع شعارات الحرية في المحافل الرسمية، بينما تُنصب المشانق الرمزية والفعلية لكل صوت حر يجرؤ على كشف الحقيقة.
في مشهد سريالي يعكس عمق الأزمة، يحتفل كبار المسؤولين باليوم العالمي لحرية الصحافة ويتغنون بصون حرية التعبير، في الوقت الذي تكتظ فيه الزنازين بالإعلاميين وأصحاب الرأي الذين يُساقون إلى المحاكم بتهم معلبة وجاهزة.
إنها ليست مجرد انتهاكات فردية، بل هي سياسة ممنهجة وحرب مفتوحة تشنها السلطة الحاكمة لاجتثاث “القوى الحية” وتجفيف منابع الوعي في المجتمع.
لم يعد خافياً على أحد أن النظام قد حوّل أروقة العدالة إلى أدوات طيّعة لتصفية الحسابات السياسية وقمع المعارضين.
لقد تم تجريد القضاء من قداسته ليصبح سيفاً مسلطاً على رقاب الصحفيين والنشطاء، حيث يكفي أن تكتب مقالاً نقدياً أو تتواصل مع نشطاء آخرين لتجد نفسك متهماً بـ “الإرهاب” أو “المس بالأمن القومي”.
هذه التهم الثقيلة والزائفة التي يُحاكم بها إعلاميون، مثلما حدث مع صحفيين سيقوا للمحاكمات في مايو 2026، تكشف عن حالة من الرعب والتخبط تعيشها السلطة.
إن تحويل الكلمة إلى فعل إرهابي هو أكبر دليل على هشاشة نظام يرتعد من مجرد فكرة أو رأي مخالف.
إن حملة المطاردة الشرسة التي تستهدف الأحرار والنخب ليست إلا محاولة يائسة لفرض “صمت القبور” على شعب يئن تحت وطأة الأزمات.
السلطة الشمولية لا تكتفي بتجاهل آلام المواطنين وأوجاعهم، بل تعاقب بشدة كل من يحاول مجرد رفع شكواه أو تسليط الضوء على مكامن الخلل. منذ أواخر عام 2025، لم تتوقف آلة القمع عن حصد الحريات، عبر سلسلة من الاعتقالات التعسفية المطولة، والملاحقات القضائية، والأحكام بالسجن، وحظر السفر، في محاولة لترهيب كل من تسول له نفسه الخروج عن النص الرسمي.
لكن التاريخ يعلمنا أن كيّ الوعي بالقوة وإعدام الحريات لم يبنِ يوماً وطناً مستقراً. إن استهداف القوى الحية ودفع الكفاءات إما إلى غياهب السجون أو إلى قوارب الهجرة ومنافي الغربة، هو عملية انتحار بطيء للدولة.
الضغط المستمر وكتم الأنفاس لا يولد الطاعة، بل يراكم الغضب ويصنع قنابل موقوتة في قلب المجتمع.
الأوطان لا تُبنى بتكميم الأفواه ولا بتخوين الشرفاء. القوى الحية التي تُطارد اليوم في شوارع الجزائر وتُقمع في زنازينها هي الرصيد الحقيقي لمستقبل البلاد، وأصواتها المكتومة ستظل أقوى من كل خطب الزيف الرسمي.
إن ليل القمع مهما طال، لا بد أن ينجلي أمام إرادة شعب يرفض أن تُصادر حريته وأن يُحكم بالحديد والنار.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *