بَيْنَ طُمُوحِ الطَّلَبَةِ فِي الْجَزَائِرِ وَتَضْخِيمِ الْإِعْلَامِ: عَنْ سَيَّارَةِ الطَّلَبَةِ وَصَوَارِيخِ الْفَضَاءِ، وَهَنْدَسَةِ الْوَهْمِ، وَكَيْفَ يُحَوِّلُ الْإِعْلَامُ مَشَارِيعَ التَّخَرُّجِ إِلَى “مُعْجِزَاتٍ” صِنَاعِيَّةٍ؟
عبدالقادر كتـــرة
هكذا علق مواطن جزائري على تبجح النظام العسكري الجزائري بادعاء طلبة جزائريين “صناعة سيارة سباق” من “ابتكار” طلابي و”الاحتفاء بجائزة في مسابقة “فورمولا ستودنت”” الدولية: “لا يوجد أمل في حكومة وزيرها و إعلامها يتصور و يتباها بسيارة ألعاب أطفال.
في الوقت الذي ينتظر جزايريون من دولة أن تصنع أقمارا صناعية. و من جيش أن يصنع أسلحة محلية الصنع و صواريخ فرط صوتية… يخرج لنا الوزير بكل فرح و سرور يتباهى بلعبة أطفال..
إسم المسابقة : Formula Student و هي مخصصة للطلبة بمعايير مختلفة تماما عن معايير فورميلا الإحترافية.
الجائزة التي فاز بها الفريق الجزائري تسمى Best Newcomer بمعنى جائزة أفضل فريق يشارك لأول مرة وتوجد جوائز أعلى قيمة وأهمها :
Formula Student Overall Champion
Overall Dynamic Events
Overall Static Events Winner
فريق الطلبة الجزائري لم يفز بأي واحدة منها…
إعلام العار قام بتصوير الحادثة و كأن الفريق قام بصنع سيارة الفورميلا الحقيقية أو فاز بالجائزة الأولى …. علما أن سيارة فورميلا الحقيقية وزنها لا يتعدى 800كغ بقوة 1000 حصان وهيكل جله مصنوع من كاربون فايبر مع ديناميكية هوائية بأجنحة أمامية و خلفية وأرضية خاصة تولد قوة ضغط للأسفل (DownForce) تجعل السيارة تلتصق بالطريق عند السرعات العالية…… مع الإختلاف الأكبر الذي يكمن في محرك الفوميلا الذي يصنع من سبائك الومنيوم عالية الجودة و لا يعرف تركيبتها الا صانعها. و الهدف هو تقليل من وزن المركبة قدر الإمكان مع قدرة تحمل كبيرة.”
في الأيام القليلة الماضية، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بصور لسيارة سباق صغيرة، التقطت حولها عدسات الكاميرات بحضور شخصيات رسمية، احتفاءً بفوز فريق طلابي بجائزة في مسابقة “فورمولا ستودنت” الدولية. ولكن، بدلاً من أن يكون الحدث فرصة للاحتفاء بجهد الشباب المبدع، تحول إلى ساحة للتندر والنقد اللاذع، بل والغضب من قبل شريحة واسعة من المواطنين. فما الذي حدث؟
مسابقة “فورمولا ستودنت” هي بيئة تعليمية هندسية بامتياز، تتنافس فيها فرق جامعية من مختلف أنحاء العالم لتصميم وتصنيع نماذج مصغرة لسيارات سباق.
الهدف هنا ليس ابتكار محرك جديد سيغزو الأسواق أو ينافس كبريات الشركات العالمية، بل تدريب المهندسين المستقبليين على العمل الجماعي، وإدارة الميزانيات المحدودة، وتطبيق النظريات الأكاديمية في بيئة عملية.
الطلبة الذين سهروا الليالي، وبحثوا عن التمويل، وصمموا هيكل السيارة، حققوا إنجازاً حقيقياً يحسب لهم ولأساتذتهم، خاصة عند تتويجهم بجائزة “أفضل وافد جديد” في ظل نقص الإمكانيات مقارنة بفرق الجامعات الغربية.
لكن هؤلاء الطلبة تعرضوا لظلم مزدوج؛ مرة من إعلام ضخم إنجازهم بشكل يخرجه عن سياقه الأكاديمي، ومرة من رأي عام غاضب أسقط إحباطاته العامة على مشروعهم وصنفه تقليلاً كـ”لعبة أطفال”.
“الخطيئة هنا ليست في الطلبة الذين صمموا المشروع، بل في الماكينة الإعلامية التي تعاملت مع الحدث بخطاب ديماغوجي يتجاهل وعي المواطن المتطلع لصناعة حقيقية.”
– صناعة الوهم وفجوة التوقعات
المواطن الذي يقرأ ويتابع الأخبار اليوم، يعيش في عصر الذكاء الاصطناعي، والصواريخ فرط الصوتية، وسباق غزو الفضاء. هذا المواطن ينتظر من حكومته استراتيجيات صناعية كبرى، ومصانع ضخمة توفر آلاف مناصب الشغل، وبنية تحتية تكنولوجية تواكب العصر. وعندما يخرج الإعلام الرسمي أو شبه الرسمي ليعرض مشروعاً طلابياً وكأنه “الفتح المبين” في عالم الصناعات الميكانيكية، فإن ذلك يمثل استفزازاً صريحاً لعقل المشاهد.
هذا التضخيم الإعلامي غير المدروس يخلق فجوة هائلة بين “المنجز الفعلي” (وهو نموذج تعليمي بحثي) و”التوقع الشعبي” (وهو صناعة ثقيلة وعسكرية). النتيجة الحتمية هي فقدان الثقة؛ فالمواطن بات يشعر أن هناك استغباءً ممنهجاً لعقله، ومحاولة لتسويق الوهم للتغطية على غياب مشاريع تنموية حقيقية وصناعات ثقيلة على أرض الواقع.
– التداعيات الصامتة: اغتيال الشغف أخطر ما في هذه المعادلة المختلة هو أثرها على المبتكر نفسه. الطالب الذي كان يرى في مشروعه خطوة أولى نحو مستقبل مهني واعد، يصاب بصدمة عندما يجد نفسه مادة للسخرية الوطنية والتنمر الافتراضي.
إن تحميل مشاريع الطلبة عبء إثبات “التطور الصناعي للدولة” هو تحميل للأمور فوق طاقتها، ويؤدي بمرور الوقت إلى اغتيال الشغف لدى الأجيال الشابة التي قد تفضل الانزواء أو الهجرة بدلاً من التعرض للإحباط المجتمعي.
– نحو خطاب ناضج ومسؤول:
إن الخروج من هذه الدوامة يتطلب نضجاً من جميع الأطراف. على الإعلام أن يسمي الأشياء بمسمياتها؛ فالابتكار الجامعي هو “مشروع تخرج متفوق” يستحق التشجيع والدعم، ولكنه ليس “بديلاً عن التصنيع الثقيل”. وعلى المسؤولين أن يدركوا أن التقاط الصور مع الطلبة لا يكفي، بل يجب ربط هذه العقول المبدعة بالمؤسسات الصناعية الكبرى لتطوير أفكارهم وتوفير بيئة تحتضن طموحهم.
أما المواطن، فمن حقه الطبيعي والمشروع أن يطالب دولته بالأقمار الصناعية والصناعات المتقدمة.
لندعم الطلبة في مدرجاتهم ومختبراتهم، ولنطالب الحكومات بمسؤولياتها الحقيقية الاستراتيجية.. فلكل مقام مقال، ولكل إنجاز حجمه الحقيقي الذي يجب أن يوضع فيه دون تبخيس ولا تهويل.

