مِنْ عَاطِفَةِ التَّارِيخِ إِلَى لُغَةِ الْمَصَالِحِ: لِمَاذَا وَدَّعَ الْمَغْرِبُ “الرُّومَانْسِيَّةَ السِّيَاسِيَّةَ”؟….. دُرُوسُ الْجُغْرَافْيَا وَالْجُحُودِ تَدْفَعُ الْمَغْرِبَ لِإِعَادَةِ رَسْمِ بَوْصَلَتِهِ نَحْوَ “الْمَصْلَحَةِ الْوَطَنِيَّةِ أَوَّلًا

مِنْ عَاطِفَةِ التَّارِيخِ إِلَى لُغَةِ الْمَصَالِحِ: لِمَاذَا وَدَّعَ الْمَغْرِبُ “الرُّومَانْسِيَّةَ السِّيَاسِيَّةَ”؟….. دُرُوسُ الْجُغْرَافْيَا وَالْجُحُودِ تَدْفَعُ الْمَغْرِبَ لِإِعَادَةِ رَسْمِ بَوْصَلَتِهِ نَحْوَ “الْمَصْلَحَةِ الْوَطَنِيَّةِ أَوَّلًا

عبدالقادر كتـــرة

عبر قرون طويلة، شكّل المغرب الحصن المنيع والجناح الغربي للعالم العربي والإسلامي. لم تكن هذه مجرد عبارة تُقرأ في كتب التاريخ، بل دماءً أُريقت في معارك كبرى لصد الغزوات وحماية العمق الإقليمي.

قدمت المملكة الغالي والنفيس لدعم حركات التحرر في الجوار، واحتضنت قضايا الأمة في أوج المحن، دافعةً ضريبة قاسية من أراضيها ومسارها التنموي. لكن، ومع توالي عقود الاستقلال، اصطدمت هذه “الأخلاقية الدبلوماسية” المغربية بواقع جيوسياسي مرير، سمته الأبرز: الجحود، والتنكر للجميل، والتآمر على الوحدة الترابية للمملكة من أقرب الأشقاء.

درس التاريخ: حين تواجه التضحيات بالجحود

السياسة الدولية لا تعترف بمنطق “جزاء الإحسان”. هذا هو الدرس القاسي الذي استوعبه المغرب بعد مسار طويل من التضامن غير المشروط.

ففي الوقت الذي قاسم فيه المغاربة دماءهم وسلاحهم مع جيرانهم لنيل الاستقلال، كان الرد اللاحق هو محاولة تطويق المملكة وتمزيقها عبر افتعال ورعاية نزاعات انفصالية ودعمها بالمال والعتاد واللوبيات، ناهيك عن الاصطفاف مع قوى أجنبية ضد الحقوق التاريخية للمغرب في ثغوره المحتلة.

لقد اكتشف المغرب أن الكيانات الإقليمية، كالجامعة العربية أو اتحاد المغرب العربي، تحولت في كثير من الأحيان إلى فضاءات لتصريف الأحقاد وتصفية الحسابات الإيديولوجية لحقبة الحرب الباردة، بدل أن تكون تكتلات حقيقية تبني المستقبل وتحمي مقدرات الشعوب.

“المغرب أولاً”: نهاية الرومانسية السياسية

أمام هذا المشهد، لم يختر المغرب الانغلاق أو الرد بانفعال، بل اختار طريقاً أكثر ذكاءً ونجاعة: التحول الجذري نحو “البراغماتية الواقعية”.

لقد أدرك صانع القرار المغربي أن زمن “الرومانسية السياسية” والشعارات القومية الفضفاضة قد انتهى، وأن الاحترام في عالم اليوم لا يُنتزع بالخطابات الرنانة أو باسترجاع أمجاد الماضي، بل بلغة المصالح المتبادلة، وموازين القوى، وفرض الأمر الواقع التنموي والدبلوماسي.

المعادلة اليوم أصبحت واضحة: من يحترم سيادة المغرب ووحدته الترابية هو الشريك، ومن يعاكسها يضع نفسه خارج دائرة الشراكة.

لغة العصر: الجيو-اقتصاد بدل الخطابات الجوفاء

بينما لا تزال بعض العواصم الإقليمية حبيسة شعارات الستينيات وتستنزف ثروات شعوبها في معاكسة استقرار المملكة، اختار المغرب أن يركب “قطار المستقبل”.

لقد استبدل المغرب لغة الإيديولوجيا بلغة البنيات التحتية الكبرى؛ فميناء الداخلة الأطلسي، ومبادرة ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، وأنبوب الغاز النيجيري-المغربي، هي اليوم الأسلحة الحقيقية التي ترسم بها المملكة خرائط التحالفات الجديدة.

إن التوجه نحو العمق الإفريقي وتأسيس شراكات استراتيجية (جنوب-جنوب)، إلى جانب تنويع التحالفات مع القوى العالمية بعيداً عن العقد الإقليمية، لم يكن مجرد رد فعل، بل هو “عقيدة سيادية” تضع المصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبار عاطفي.

خاتمة: القطار الذي لا ينتظر

في عالم يتشكل من جديد وتتغير تحالفاته بسرعة قياسية، لا مجال لانتظار صحوة الضمير ممن اختاروا معاكسة حركة التاريخ.

المغرب اليوم يمضي قُدماً، محصناً بجبهته الداخلية، وبمشاريعه المهيكلة، وبرؤية سيادية واضحة.

التاريخ علمنا أن من يبني مستقبله على الأوهام والشعارات ومحاولة إعاقة الآخرين، سيكتشف يوماً ما، وبعد فوات الأوان، أن قطار التنمية والمصالح الكبرى قد تجاوزه بكثير.

أما المغرب، فقد اختار مساره بعناية: بناء الذات، تعزيز الشراكات الرابحة، وترك الشعارات لأصحابها.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *