فِيلْمُ “هَدَّارَة” طِفْلُ النَّعَامَةِ: كَيْفَ فَضَحَ التُّرَاثُ الشَّفَهِيُّ أَوْهَامَ الِانْفِصَالِ فِي الصَّحْرَاءِ الْمَغْرِبِيَّةِ؟ أُسْطُورَةُ “طِفْلِ الصَّحْرَاءِ” الَّتِي أَسْقَطَتْ قِنَاعَ الْجَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ

فِيلْمُ “هَدَّارَة” طِفْلُ النَّعَامَةِ: كَيْفَ فَضَحَ التُّرَاثُ الشَّفَهِيُّ أَوْهَامَ الِانْفِصَالِ فِي الصَّحْرَاءِ الْمَغْرِبِيَّةِ؟ أُسْطُورَةُ “طِفْلِ الصَّحْرَاءِ” الَّتِي أَسْقَطَتْ قِنَاعَ الْجَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

في قلب الصحراء الكبرى، حيث تتلاشى الحدود وتتداخل حكايات الرُّحّل مع قسوة الطبيعة، وُلدت واحدة من أغرب القصص الإنسانية وأكثرها سحراً؛ قصة “هدّارة” محمد اكريمش، الطفل الصغير الذي تاه عن أسرته في أواسط القرن التاسع عشر، لتتبناه أسراب النعام وتحميه من غدر الصحراء.

هذه الحكاية التي تناقلتها الأجيال في الخيام وتغنى بها شعراء الحسانية، عادت بقوة في صيف عام 2026 إلى واجهة الأحداث، ليس كعمل سينمائي يُوثق للتراث فحسب، بل كساحة لمعركة هوياتية وجيوسياسية تكشف الكثير عن خبايا نزاع الصحراء المفتعل.

السينما توقظ التاريخ

مع بدء تصوير إنتاجات سينمائية دولية ومغربية تستلهم هذه السيرة الشعبية العريقة، انطلقت حملة إعلامية من الجارة الشرقية تحاول السطو على هذا التراث و”جزأرته” (نسبته إلى الجزائر)، بحجة أن أحداث القصة دارت في منطقة تندوف.

هذا الادعاء لم يثر استغراب الباحثين المغاربة فحسب، بل أشعل موجة غضب غير مسبوقة داخل مخيمات تندوف نفسها، حيث رفض شباب ومدونون صحراويون محاولة طمس هويتهم الحسانية وإذابتها في قالب حدود سياسية حديثة.

مفارقة التاريخ.. حين تُسقط السياسة على الماضي

الخطيئة المنهجية التي سقطت فيها الآلة الإعلامية والأكاديمية الجزائرية هي محاولة إسقاط مفهوم “الدولة الحديثة” بحدودها الموروثة عن الاستعمار على شخصية تاريخية عاشت بين عامي 1850 و1950.

في تلك الحقبة، لم تكن هناك جبهة تسمى “البوليساريو”، ولم تكن الدولة الجزائرية المستقلة قد تأسست بعد.

كان الفضاء الصحراوي الحساني امتداداً جغرافياً وثقافياً طبيعياً للعمق المغربي، محكوماً بنظام البيعة والروابط الروحية والسياسية الوثيقة مع سلاطين المغرب.

إن قصة “هدّارة” هي انعكاس أصيل لثقافة مغربية صحراوية كانت ولا تزال تتنفس في فضاء مفتوح، لا يعترف بالأسلاك الشائكة التي رسمتها الإدارة الاستعمارية لاحقاً.

فخ السطو الثقافي وانكشاف النوايا

أبعد من مجرد خلاف حول أصل بطل شعبي، كشفت أزمة “هدّارة” عن تناقض بنيوي فاضح في الخطاب الرسمي الجزائري.

فلعقود، سوّقت الجزائر أطروحة دعمها لـ”شعب ذي هوية منفصلة”، لكن اندفاعها المحموم اليوم للاستحواذ على التراث الحساني ونسبته لنفسها، يُسقط ورقة التوت الأخيرة.

إذا كان التراث الصحراوي “جزائرياً خالصاً” كما تدعي منصاتهم اليوم، فهذا يعني اعترافاً ضمنياً بأن مشروع البوليساريو ليس سوى أداة وظيفية وواجهة لمشروع هيمنة إقليمية. السطو على الثقافة هنا ليس سوى تمهيد ناعم لمحاولة السطو على الجغرافيا. فمن يسرق قصة شعبية اليوم، يمهد الطريق لشرعنة ابتلاع الأرض غداً، سعياً وراء الحلم القديم بإيجاد منفذ على المحيط الأطلسي.

المغرب وريادة القوة الناعمة

في المقابل، يتعامل المغرب مع هذا التراث بمنطق “الامتداد والأصالة”. السينما المغربية والدولية التي وثقت سيرة “هدّارة”، لم تفعل ذلك لتسييس طفل النعامة، بل للاحتفاء برافد أساسي من روافد الهوية المغربية المتعددة التي نص عليها دستور المملكة.

إن توثيق هذا التاريخ الشفهي عبر الفن هو أبلغ رد على محاولات التزييف. فبينما تحاول الأطراف الأخرى اختزال أسطورة إنسانية عميقة في “جواز سفر” بأثر رجعي، يُقدم المغرب هذا التراث للعالم كدليل قاطع على أن الثقافة الحسانية كانت وستبقى مغربية الجذور، إنسانية الأبعاد.

ختاما، ستبقى قصة “هدّارة” خالدة تتحدى النسيان، لا لأنها قصة طفل عاش مع النعام، بل لأنها أصبحت اليوم بوصلة تفضح زيف الشعارات. التراث لا يكذب، والحدود الوهمية التي رُسمت على الرمال لا يمكنها أن تُمحو الذاكرة الحية المتجذرة في عمق الصحراء المغربية.

 

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *