مِنَ التَّشَابُهِ الثَّقَافِيِّ إِلَى مُونْدِيَالِ 2030: الْحَسَنُ الثَّانِي مُهَنْدِسُ مُسْتَقْبَلِ الْعَلَاقَاتِ الْمَغْرِبِيَّةِ الْإِسْبَانِيَّةِ… الْمَغْرِبُ “شَجَرَةٌ تَتَنَفَّسُ هَوَاءَ أُورُوبَّا”… مِنْ بَحْرٍ فَاصِلٍ إِلَى جِسْرِ تَوَاصُلٍ
عبدالقادر كتـــرة
في مقطع فيديو متداول مؤخراً، يظهر سفير إسباني سابق لدى المغرب يتحدث بعفوية عن التقارب بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط، قائلاً: “بلدان البحر المتوسط متشابهة، الأكل متشابه مثل الفلافل التي يأكلها اللبنانيون والسوريون والمصريون”.
قد يبدو هذا التصريح للوهلة الأولى مجرد ملاحظة ثقافية عابرة حول عادات المائدة، لكنه في جوهره يحمل مفتاحاً عميقاً لفهم واحدة من أعقد وأمتن العلاقات الجيوسياسية في المنطقة: العلاقات المغربية الإسبانية.
هذا التشابه الثقافي، الذي يجعل المواطن الإسباني والمغربي يتقاسمان نمط حياة متقارب، لم يكن ليصل إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” التي نراها اليوم لولا وجود هندسة سياسية استشرافية قادها ملكان استثنائيان، وفي مقدمتهما العبقرية الدبلوماسية للملك الراحل الحسن الثاني.
– عقيدة “الشجرة” وتذويب الجليد التاريخي
لقد أدرك الملك الحسن الثاني، بفضل حنكته وقراءته العميقة للتاريخ، أن الجغرافيا قدرٌ لا مفر منه، وأن استقرار المغرب وازدهاره مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بضفته الشمالية. تجسدت هذه الرؤية في مقولته الشهيرة التي لخصت العقيدة الجيوسياسية للمملكة: “المغرب شجرة جذورها في إفريقيا وأغصانها تتنفس هواء أوروبا”.
في فترات تاريخية حساسة، خاصة مع انتقال إسبانيا من حقبة الديكتاتورية إلى الديمقراطية، كان يمكن للتوجس المتبادل ولرواسب الماضي أن تعرقل أي تقارب. لكن الحسن الثاني اختار الاستثمار في المستقبل، وتحويل إسبانيا من قوة استعمارية سابقة إلى الشريك التجاري والأمني الأول للمغرب، مؤسساً لمفهوم “الاعتماد المتبادل” الذي يجعل أمن واستقرار مدريد يبدأ من الرباط، والعكس صحيح.
– دموع خوان كارلوس.. أكثر من مجرد بروتوكول
لم تقتصر عبقرية الحسن الثاني على توقيع المعاهدات، بل امتدت إلى بناء روابط إنسانية وسياسية غير مسبوقة مع قادة أوروبا، وعلى رأسهم العاهل الإسباني السابق الملك خوان كارلوس الأول.
لم تكن العلاقة بين العاهلين مجرد علاقة بين رئيسي دولتين جارتين، بل كانت علاقة “أخوة حقيقية” ومظلة واقية حمت العلاقات الثنائية من العواصف السياسية المتعاقبة.
يتذكر العالم بأسره ذلك المشهد المهيب في صيف عام 1999، حينما وقف الملك خوان كارلوس في جنازة الملك الحسن الثاني، يذرف دموعاً حقيقية وحرقة ظاهرة لا تخطئها الكاميرات.
لم يكن خوان كارلوس يبكي زعيماً سياسياً فحسب، بل كان يبكي “أخاً أكبر” ومرشداً حكيماً. تلك الدموع الصادقة كانت رسالة طمأنة للداخل الإسباني وللعالم بأن التحالف الذي أسس له الحسن الثاني قد أصبح إرثاً مقدساً غير قابل للمساس، وأساساً متيناً ورثته الأجيال اللاحقة.
– حصد ثمار الرؤية: من الصحراء إلى المونديال
اليوم، ونحن نرى التطور المذهل في العلاقات بين الرباط ومدريد تحت قيادة الملك محمد السادس والملك فيليبي السادس، ندرك حجم الاستشراف الذي ميز مرحلة التأسيس. إن الموقف الإسباني التاريخي والسيادي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة ناضجة لعقود من بناء الثقة المتبادلة.
ولعل التتويج الأبرز لهذه المسيرة المشتركة هو الاستضافة المشتركة لبطولة كأس العالم 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال. هذا الحدث العالمي يتجاوز كونه عرساً كروياً؛ إنه الترجمة العملية لحديث السفير الإسباني عن “التشابه المتوسطي”. إنه مشروع اندماج حقيقي في البنيات التحتية، والاقتصاد، والثقافة، يقدم للعالم نموذجاً فريداً يكسر الحواجز النفسية والجغرافية بين إفريقيا وأوروبا.
إن ما بدأ كوعي بالتشابه في تفاصيل الحياة اليومية، تطور بفضل حكمة القيادة التاريخية إلى تحالف استراتيجي صلب. اليوم، ينظر المغرب وإسبانيا إلى البحر الأبيض المتوسط ليس كخندق مائي يفصل بين قارتين، بل كساحة مشتركة تبنى فيها جسور المستقبل، تثبت أن رؤية الأمس هي واقع اليوم وغدٍ.
فيديو للمشاهدة

