الدِّبْلُومَاسِيَّةُ الْجَوِّيَّةُ فِي غَرْبِ الْمُتَوَسِّطِ: الْأَبْعَادُ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةُ لِأُسْطُولِ الْكَنَادِيرِ الْمَغْرِبِيِّ فِي تَعْزِيزِ التَّضَامُنِ الدَّوْلِيِّ، وَسِجِلٌّ حَافِلٌ فِي دَعْمِ إِسْبَانِيَا وَالْبُرْتُغَالِ ضِدَّ حَرَائِقِ الْغَابَاتِ
عبدالقادر كتـــرة
“صور توثق لعملية تشكل استعدادا لاستئناف مشاركة طائرات كنادير المغربية الفعالة والحاسمة في عمليات إخماد حرائق الغابات المندلعة، في مشهد يعكس الجاهزية العالية والاحترافية التي يتميز بها الأسطول الجوي المغربي في مواجهة الكوارث، حتى في دول الجوار إذا طلب من المغرب ذلك خاصة إسبانيا والبرتغال.
وتندرج هذه المشاركة المغربية في إطار التضامن الدولي والمساعدة المتبادلة، حيث تعبئ المملكة خبراتها وإمكانياتها اللوجستية لمساندة الدول الصديقة في الأزمات.
وتعد طائرات “الكنادير” المغربية من بين أكثر الوسائل الجوية نجاعة في مجال مكافحة الحرائق على الصعيد العالمي، وقدرتها على التزود بالمياه والقيام بمناورات دقيقة فوق بؤر النيران تعكس مستوى التكوين الرفيع للأطقم المغربية وكفاءة المعدات المتطورة المتوفرة لدى القوات الملكية الجوية.”
يمتلك المغرب أسطولاً قوياً من طائرات “كنادير” (CL-415 و CL-215) التابعة للقوات الملكية الجوية، وقد أثبتت كفاءتها إقليمياً في مناسبات عدة.
في شتنبر (2024 و 2025) استجاب المغرب لطلب رسمي من لشبونة وأرسل طائرتي “كنادير” للمساعدة في إخماد حرائق غابات غير مسبوقة شمال البرتغال. وتكرر المشهد التضامني في غشت 2025 بإرسال طائرات إضافية.
دعم إسبانيا (2025): بعد إتمام مهمتها في البرتغال في غشت 2025، توجهت الطائرات المغربية لدعم جهود الإطفاء في منطقة “ثامورا” الإسبانية التي كانت تشهد واحدة من أسوأ موجات الحرائق.
تداعيات على العلاقات المغربية – الإسبانية – البرتغالية
هذا المستوى من التنسيق الميداني يحمل دلالات جيوسياسية واستراتيجية أعمق من مجرد المساعدة التقنية:
– ترسيخ “القوة الناعمة” والموثوقية: يثبت المغرب من خلال هذه التدخلات المتكررة أنه ليس فقط مستهلكاً للأمن، بل مُصدِّر للاستقرار والدعم اللوجستي في حوض البحر الأبيض المتوسط. الجاهزية العالية للطيارين المغاربة تعزز صورة المملكة كشريك استراتيجي موثوق وقت الأزمات.
– تجاوز الدبلوماسية إلى التلاحم الميداني: التعاون في مواجهة الكوارث الطبيعية (التي تتفاقم بفعل التغير المناخي) يعكس انتقال العلاقات بين الرباط ومدريد ولشبونة من مجرد اتفاقيات سياسية واقتصادية إلى شراكة اندماجية تمس الأمن القومي والمجتمعي للدول الثلاث.
– تعزيز محور “مونديال 2030”: هذه التحركات التضامنية تخدم بشكل مباشر الملف المشترك لاستضافة كأس العالم 2030. فهي تقدم للعالم صورة كتلة جغرافية متصلة (المحور الأيبيري – المغربي) قادرة على العمل كفريق واحد، وإدارة التحديات اللوجستية والأمنية المشتركة باحترافية عالية.
ما هي القدرات التقنية واللوجستية لأسطول طائرات كنادير التابع للقوات الملكية الجوية المغربية، ومتى تم تأسيسه؟
يعتبر أسطول طائرات “كنادير” التابع للقوات الملكية الجوية المغربية ركيزة أساسية في استراتيجية البلاد لمكافحة حرائق الغابات، ويتميز المغرب بكونه الدولة الإفريقية الوحيدة التي تمتلك وتشغل هذا النوع المتطور من الطائرات البرمائية.
أولاً: تاريخ تأسيس الأسطول وتطوره حيث بدأ المغرب في تأسيس هذا الأسطول المتخصص بشكل فعلي عام 2011، حيث تم اقتناء الدفعة الأولى المكونة من 5 طائرات بتكلفة بلغت حينها حوالي 162 مليون دولار.
واستجابة للتحديات المناخية المتزايدة وتصاعد وتيرة حرائق الغابات إقليمياً ومحلياً، أبرم المغرب بين عامي 2021 و 2022 صفقات إضافية لتعزيز الأسطول بثلاث طائرات جديدة، ليرتفع العدد الإجمالي المتاح إلى 8 طائرات.
ثانياً: القدرات التقنية لطائرات “كنادير” (CL-415)
يعتمد الأسطول المغربي على طراز (Canadair CL-415)، المعروف عالمياً بلقب “Super Scooper” (المغرفة الفائقة)، والذي صُمم خصيصاً لمهمات الإطفاء الجوي ويتمتع بالمواصفات التقنية التالية:
تستطيع الطائرة حمل وتفريغ حوالي 6,137 لتراً من المياه (أو خليط من الماء والمواد المثبطة للحرائق) في الطلعة الواحدة.
وتمتلك الطائرة قدرة استثنائية على التزود بالمياه أثناء الطيران بملامسة سطح الماء، حيث يمكنها ملء خزاناتها بالكامل في غضون 12 ثانية فقط، وذلك من السدود، الأنهار العريضة، أو مياه البحر.
وتبلغ سرعة تحليق الطائرة حوالي 359 كيلومتراً في الساعة، مما يضمن سرعة الاستجابة والوصول إلى بؤر النيران في مناطق جغرافية متباعدة.
ثالثاً: القدرات اللوجستية والعملياتية
يخضع الأسطول لتدريب وإدارة القوات الملكية الجوية المغربية، وهو ما يضمن تطبيق معايير عسكرية صارمة في الصيانة الميكانيكية والجاهزية العملياتية الدائمة، خاصة خلال فترات ذروة الحرائق في فصل الصيف.
وبفضل قدرتها على سحب المياه أثناء الطيران، لا تضطر الطائرة للعودة إلى القواعد الجوية أو المدارج لإعادة التعبئة. هذا الأمر يسمح لها بتنفيذ عدد كبير من الطلعات الجوية المتتالية، وإسقاط عشرات الآلاف من اللترات على النيران في وقت قياسي.
صُممت هياكل هذه الطائرات ومحركاتها لتحمل الإجهاد الشديد والمناورة في التضاريس المعقدة والمناطق الجبلية الوعرة. وتستلزم قدرتها على التحليق على ارتفاعات منخفضة جداً وسط الدخان الكثيف وانعدام الرؤية تدريباً عالي المستوى وكفاءة مشهوداً بها للأطقم والطيارين المغاربة.

