بلاد العالم الآخر: إضرابات النقل وتحذيرات من انفجار اجتماعي عنيف…!!
بدر سنوسي
دخلت الجزائر منذ مطلع العام الجديد، ولليوم الثامن على التوالي، في حالة من الاحتقان الاجتماعي، حيث تسببت الزيادات الأخيرة في أسعار الحليب والمحروقات في إشعال فتيل احتجاجات بقطاع النقل شلت الحركة في معظم الولايات، وبلغت نسبة الاستجابة للإضراب أكثر من 95 بالمئة في الولايات الكبرى، مما تسبب في تعطيل مصالح الملايين من الموظفين والأساتذة والطلاب، وفشل النقل العمومي في تعويض النقص الحاد.
ولم تكن الزيادة في أسعار الوقود (في بلاد القوة الضاربة الإقليمية) مجرد إجراء مالي تقني، بل أثارت صدمة اجتماعية واقتصادية شاملة، بالنظر إلى تداعياتها على تكاليف نقل البضائع والمواد الغذائية، مما ينذر بموجة غلاء لا مثيل لها في غضون الأيام المقبلة القليلة.
وتواجه الحكومة الجزائرية انتقادات لاذعة من طرف المنظمات الحقوقية و الهيئات النقابية التي دخلت على الخط، وذلك بسبب عجز العصابة عن تحويل الثروة النفطية إلى قاعدة إنتاجية متنوعة، كما طالت الانتقادات لجوء الحكومة الى نهج سياسة الدعم الواسع والزيادات المتكررة في الأجور دون زيادة موازية في الإنتاجية، إلى تفاقم متاعب صندوق ضبط الإيرادات الذي كان يمثل صمام الأمان المالي للبلاد.
ويرى الخبراء أن هذه الزيادات “وهمية” الغرض منه امتصاص الغضب الشعبي، لا اقل ولا أكثر، باعتبار ان الدولة – التي تعتبر المحرك الرئيسي للاقتصاد – أظهرت عجزا كبيرا في النهوض بالقطاعات الاقتصادية الأساسية خارج المحروقات (مثل الصناعة والسياحة) على الأقل للمساهمة في الناتج الإجمالي للدولة، ما يترك الاقتصاد حبيس تقلبان أسعار النفط…
وفي خضم التطورات الخطيرة التي اقدمت عليها العصابة في التعامل مع المضربين، نددت “منظمة شعاع لحقوق الإنسان”، المهتمة بالشأن الحقوقي في الجزائر بأشدّ العبارات سلسلة الاعتقالات والملاحقات القضائية التعسفية التي طالت عددًا من سائقي الشاحنات في عدة ولايات بالجزائر، على خلفية مشاركتهم في إضراب واحتجاجات سلمية عبّروا من خلالها عن رفضهم لبعض مواد قانون المرور الجديد، ولا سيما تلك التي ركّزت — حسب تعبيرهم — على الجانب الردعي المبالغ فيه، وما ينجم عنه من تهديد مباشر لمصدر رزقهم وأوضاعهم المهنية.
كما شملت هذه الإجراءات اعتقال مواطنين ومدونين قاموا بتوثيق هذه التحركات السلمية ونقل مطالب المحتجّين إلى الرأي العام، فضلًا عن فتح متابعات قضائية وإصدار أحكام سالبة للحرية بحق بعض المشاركين، في تصعيد خطير يثير مخاوف جدية بشأن وضع الحريات العامة في الجزائر.
من جهتها تفاعلت حركة مجتمع السلم (حمس) مع إضرابات قطاع النقل التي اندلعت بسبب قانون المرور الجديد وارتفاع أسعار الوقود، حيث دعت إلى حوار وطني، وطالبت بمراجعة قانون المرور مع مراعاة البعد الاجتماعي، كما دعت إلى التراجع عن الزيادات في أسعار الوقود، واعتبرت أن هذه المطالب تندرج ضمن الاستجابة للاحتجاجات الشعبية والمطالب المشروعة، مما أثار جدلاً واسعاً وانتقادات من وسائل الإعلام الرسمية التي اتهمت الحزب باستغلال الوضع سياسياً، حسب تقارير صحفية …
ويرى متتبعون ان كل المؤشرات والتقارير، تصب نحو اندلاع اضراب وطني للتجار، بسبب القرارات الاقتصادية – المجحفة – التي أثرت على المواطنين في معيشهم اليومي، وتجارتهم، وكذا نتيجة للازمة العميقة التي تعاني منها البلاد والتي تُنذر باندلاع حراك شعبي في نسخته الثانية، من شأنه انهاء الحكم العسكري المستبد، الذي تسبب في تردي الأوضاع الاجتماعية للشعب وقيد الحريات المدنية بسبب التضييق الذي تمارسه القبضة الأمنية للجيش على كل القرارات الاقتصادية والسياسية في البلاد، وهي عوامل كافية ستؤدي –لا محالة – لانتفاضة شعبية مدمرة في بلاد العالم الآخر، ستأتي على الأخضر واليابس، نتيجة للإحباط الذي سيطر على ملايين الجزائريين، منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1962.

