فضيحة وزيرة الثقافة الجزائرية: سقطت في “فخ الشعبوية التاريخية”، وظفت صورة ليهودي لكسب عاطفة الجمهور، فتحولت إلى سلاح ارتد عليها، كاشفاً عن ادعاءات تُبنى على العاطفة وتتجاهل الوقائع
عبدالقادر كتـــرة
لما يتيه عديم الهوية مجهول التاريخ فقير التراث، في صحراء من الأحلام والأوهام والسراب يبحث عن هوية “جاهزة” و”طاجزة” ليغطي بها عراءه التراثي وفقره الثقافي، فيجد صورة ظنا منه أنها مبتغاه ثم يسارع للسطو عليها فيقع في فخ بأسنان حادة وحفرة عميقة مظلمة ظلا الجهل المركب لا قاع لها…
وزيرة التلافة (الثقافة) الجزائرية مليكة بندودة التي سال ريقها على التراث المغربي خاصة منه القفطان والزليج وأنواعهما وتتبجح بتراث تاريخي جزائري غني بالسرقة والسطو من اللباس والأكل والشرب والفلكلور والرقص والغناء والطرب ووو…وتقفز على صورة وتتبناها لتحنج وتحاجج وتبرهن وتفحم بها المتشككين ثم تفتخر بها وبجزائريتها، فتثير الغضب والحنق والحرج والسخرية….الشخص يهودي جزائري واللباس عثماني فأين الجزأرة العاصمية والهوية الجزائرية؟ (ملحوظة : وقعت الوزيرة في المحظور، اليهودي العدو الرمزي للنظام العسكري الجزائري)..وترفقها بنص مدوي دويا قويا أصابها وأصاب القطيع في مقتل الهوية الزائفة…
جاء في منشور الوزيرة الجزائرية على الفيسبوك تعليقا على الصورة: “لهذه الصورة مهابة.. لفتني وأنا أتمعن تفاصيلها، اللباس الأصيل لأول طبيب جزائري “عمامة” تكلل الرأس وقارا، وصدرية” تضم أزرارها كعقد من ضوء، تعلوها “فريملة” مطرزة بروح جزائرية خالصة، يحزم الوسط “حزام” يمسك سروال” “لوبيا” أصيل ينسدل بثنياته كغيمة تختزن هويتنا. ويتكئ بيده اليمنى على عصا خشبية “خيزرانة” بينما يضع يده اليسرى على خاصرته. إنه محمد بن الحاج بن معمر النقاش ابن ندرومة، أول طبيب جزائري في التاريخ الحديث نال شهادة الطب من جامعة باريس عام 1880 بأطروحة حول قسطرة المريء. لم يلبس العلم على حساب الأصل، وإنما ألبس الأصل رداء العلم، فكانت هيئته بيانا خالدا يقول: أصالتي تتوشح المعرفة.”
منشور يفتح باباً واسعاً للنقاش حول “حروب الذاكرة” و”صناعة الهوية” في الفضاء الرقمي، حيث تصبح الصورة التاريخية ساحة معركة بين الرواية الرسمية وبين القراءة النقدية التي تحاول تفكيكها.
بين “أصالة” الوزيرة و”نقد” التاريخ يمثل هذا المنشور نموذجاً لما يمكن تسميته بـ “صناعة الرمز الثقافي”، مع الإشارة إلى ان صاحب اليورة هو اليهودي ليفي معمر النقاش الذي قدم من الاندلس واستوطن الجزائر العاصمة وهو صاحب محل لصناعة وبيع الحلويات (الفترة التي عاش فيها التجار والحلوانيون اليهود، مثل عائلة ليفي، في الجزائر العاصمة وإدارتهم لتلك المحلات كانت تمتد من أواخر القرن التاسع عشر وحتى عام 1962 (عام استقلال الجزائر))…
من جهة، تحاول السلطة (الممثلة في الوزيرة) ربط الحاضر بـ “أصالة” متخيلة أو مستحضرة عبر صورة قديمة لتقديم نموذج للهوية الوطنية الجزائرية.
ومن جهة أخرى، يبرز النقد الشعبي الذي يتبنى “التدقيق التاريخي” كأداة للمواجهة، لا سيما حين يشعر بوجود فجوة بين الواقع التاريخي والخطاب السياسي.
اعتمدت الوزيرة في نصها على العاطفة الوطنية والوصف الجمالي لتعزيز الهوية.
اختيار شخصية “الطبيب” يخدم رسالة مفادها أن المجتمع الجزائري كان متعلماً ومتحضراً.
كما ركزت على تفاصيل “العمامة” و”الصدرية” و”الخيزرانة” لترسيخ مفهوم “الجزائرية” ككيان ثقافي مستقل ومتصل عبر الزمن.
لكن الإشكالية تكمن في الوقوع في الخطأ وهنا في “الوثوقية المفرطة”؛ فالمسؤول العام عندما ينشر صورة تاريخية دون توثيق أكاديمي دقيق، فإنه يضع نفسه في موقف هش، خاصة في عصر الإنترنت حيث أصبحت المعلومة التاريخية متاحة للتدقيق والمقارنة في ثوانٍ.
الشخصية في الصورة من طائفة أخرى (اليهودية الجزائرية في تلك الفترة)، وهذا يوجه ضربة موجعة للخطاب الرسمي الذي يسعى لاحتكار “الجزائرية” في قالب ضيق. هذا يثير قضية “تعددية الهوية الجزائرية” التي يحاول البعض طمسها أو قولبتها.
الإشارة إلى أن اللباس “عثماني” وليس “جزائرياً خالصاً” (بالمعنى الوطني الحديث) تعيد التذكير بأن المنطقة كانت جزءاً من فسيفساء ثقافية أوسع (عثمانية/متوسطية)، وأن محاولة “أبلسة” الأصول المشتركة باسم الهوية الوطنية هي عملية قسرية للتاريخ.
البعد السياسي يغوص في “التناقض الإيديولوجي” للنظام الذي يرفع شعارات معينة بينما يتورط في خطأ يمس تلك الشعارات ذاتها (مثل معاداة الصهيونية مقابل استحضار صورة ليهودي جزائري كرمز وطني).
إن هذه الحادثة تعكس ظاهرة متزايدة في المجتمعات المعاصرة، حيث يُستخدم التاريخ ليس للتعلم، بل كأداة للمزايدة.
ينبغي على المسؤولين الحذر عند استحضار رموز التاريخ، فالتاريخ ليس “طوع الطلب” ليُفصل على مقاس الخطاب السياسي الحالي. التوثيق هو أساس الاحترام، والنقد الذي يوجه للوزيرة يعكس وعياً متزايداً بأهمية التدقيق، لكنه أيضاً يحذر من خطورة تحويل التاريخ إلى أداة إقصاء.
فالهوية الجزائرية عبر التاريخ كانت نسيجاً مركباً من أعراق وأديان وثقافات، ومحاولة “تطهير” هذا التاريخ من مكوناته هو في حد ذاته تشويه للهوية الوطنية وليس حماية لها.
خلاصة القول، لقد سقطت الوزيرة في “فخ الشعبوية التاريخية”، حيث ظنت أن الصورة قد تكون وسيلة لكسب عاطفة الجمهور، لكنها تحولت إلى سلاح ارتد عليها، كاشفاً عن هشاشة السرديات التي تُبنى على العاطفة وتتجاهل الوقائع.

