مَعْرَكَةُ الذَّاكِرَةِ وَالْحَجَرِ: شَعْبُ الْقَبَائِلِ يَتَصَدَّى لِتَعْرِيبِ تُرَاثِهِ التَّارِيخِيِّ أَمَامَ الْيُونِسْكُو…بِجَايَةُ وَمِيلَةُ لَيْسَتَا “تُرَاثاً عَرَبِيّاً”… انْتِفَاضَةُ الْقَبَائِلِ الدِّبْلُومَاسِيَّةُ لِحِمَايَةِ هُوِيَّتِهِمْ وَتَقْرِيرِ مَصِيرِهِمْ
عبدالقادر كتـــرة
لم تكن الرسالة الرسمية التي وجهتها حكومة منطقة القبائل في المنفى (أنفاد)، بقيادة “فرحات مهني” رئيس دولة القبائل المحتلة، إلى كل من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجامعة الدول العربية في أواخر أكتوبر 2026، مجرد إجراء دبلوماسي عابر أو خلاف تقني حول تصنيف آثار قديمة. إن الاعتراض الصارم على إقدام السلطات الجزائرية على تسجيل مدينتي بجاية (فجايت) وميلة (ميليف) القبايليتين —إلى جانب مدينة ندرومة ذات الهوية المغربية الأمازيغية— في “سجل التراث المعماري والحضاري العربي”، يمثل فصلاً جديداً من معركة وجودية طويلة يخوضها شعب القبائل لحماية ذاكرته الجماعية وخصوصيته الحضارية من الذوبان القسري.
لفهم أبعاد هذه الخطوة التي تزامنت مع مرحلة مفصلية أعقبت إعلان استقلال منطقة القبائل في 14 ديسمبر 2025، لا بد من التوقف عند سؤال جوهري يطرحه القبايليون اليوم أمام العالم: كيف يمكن لمؤسسات دولية معنية بحماية التنوع الثقافي أن تقبل بنسب إرث معماري وحضاري شيدته سواعد وعقول أمازيغية على أرضها التاريخية إلى هوية قومية أخرى؟
بجاية وميلة: شواهد حية على عبقرية عمرانية أمازيغية
عندما يتجول الزائر في مدينة بجاية (صلداي القديمة، وفجايت في اللسان القبايلي)، فإنه يقف في حضرة عاصمة شيدها السلطان الناصر بن علناس عام 1067م، المنحدر من سلالة الحماديين الصنهاجية الأمازيغية.
بل إن المفارقة التاريخية التي توثقها أمهات كتب التاريخ —بما فيها مقدمة ابن خلدون— تؤكد أن الحماديين نقلوا عاصمتهم من الداخل إلى جبال بجاية الساحلية الحصينة تحديداً للاحتماء من الغزوات الهلالية العربية التي أرسلها الفاطميون آنذاك.
وفي هذه الحاضرة الأمازيغية المتوسطية، التي ازدهرت لاحقاً في عهد الموحدين والحفصيين (وهم أيضاً من قبائل مصمودة وهنتاتة الأمازيغية)، تلاقحت العلوم والفلسفة والهندسة، ومن مدارسها وأسواقها نقل عالم الرياضيات الإيطالي “فيبوناتشي” علوم الجبر والحساب إلى أوروبا. أما مدينة ميلة، فلم تكن سوى المعقل التاريخي لقبائل “كتامة” الأمازيغية الضاربة في القدم منذ العهد النوميدي.
إن استخدام اللغة العربية في مراحل من التاريخ الوسيط كلغة للتدوين الديني والعلمي في هذه المدن يشبه تماماً استخدام اللغة اللاتينية في جامعات أوروبا في العصور الوسطى؛ فلم يقل أحد إن تراث باريس أو أكسفورد أو بولونيا هو “تراث إيطالي روماني” لمجرد أن علماءها كتبوا باللاتينية.
ومن هنا، فإن تحويل التراث العمراني القبايلي إلى “تراث عربي” يُنظر إليه في منطقة القبائل كعملية سلب ثقافي وتزوير للتاريخ يهدف إلى اقتلاع الإنسان القبايلي من جذوره.
خصوصية شعب القبائل: هوية متكاملة عصية على الانصهار
إن استماتة القبايليين في الدفاع عن هوية مدنهم وتراثهم لا تنبع من نزعة انغلاق، بل تستند إلى خصوصية مجتمعية، وثقافية، وسياسية فريدة حافظ عليها هذا الشعب عبر آلاف السنين في جباله وحواضره، وجعلت منه كياناً متميزاً بوضوح في شمال إفريقيا:
1- النظام الديمقراطي التقليدي (تاجماعت – Tajmaât): يتميز المجتمع القبايلي تاريخياً بنظام تسيير ذاتي ديمقراطي فريد يُعرف بـ “تاجماعت” (مجلس القرية)، حيث تُتخذ القرارات بالتشاور والإجماع، وتُدار شؤون المجتمع وفق قوانين عرفية مدنية دقيقة تُسمى “أزرف” (Azref). هذا الإرث السياسي العريق غرس في الوجدان القبايلي ثقافة المواطنة، والمساواة، ورفض الاستبداد أو الحكم الفردي المركزي.
2- اللسان والثقافة (ثقبايليث – Taqbaylit): رغم عقود من سياسات التعريب الشامل وتهميش الهوية الأمازيغية منذ عام 1962، نجح شعب القبائل في الحفاظ على لغته حية في البيت والشارع، وفي إنتاجه الأدبي والشعري والموسيقي الغزير، محولاً الكلمة والأغنية الملتزمة إلى قلعة لحفظ الذاكرة الجماعية.
3- القيم الاجتماعية والحداثة: عُرف المجتمع القبايلي بتماسكه الاجتماعي القائم على التضامن (“ثويزا” أو العمل الجماعي التطوعي)، وبفصله التقليدي المتوازن بين الشأن الروحي وتدبير الشأن العام الزمني، فضلاً عن المكانة المحورية للمرأة القبايلية التي كانت عبر التاريخ حارسةً للغة والرموز الثقافية وشريكةً في المقاومة.
4- الارتباط الوجودي بالأرض (ثامورث – Tamurt): بالنسبة للقبايلي، ليست الأرض مجرد مجال جغرافي، بل هي امتداد للشرف والهوية والتاريخ؛ ولذلك ظلت منطقة القبائل عبر العصور معقلاً للمقاومة ضد كل محاولات الإخضاع الأجنبي، من الرومان والوندال والعثمانيين، وصولاً إلى الاستعمار الفرنسي، ثم مواجهة السياسات الإقصائية للدولة المركزية الحديثة.
من مقاومة الطمس الثقافي إلى حتمية الاستقلال
توضح المذكرة الموجهة إلى اليونسكو وجامعة الدول العربية حقيقة بالغة الأهمية: إن نضال شعب القبائل ليس موجهاً على الإطلاق ضد الشعوب العربية التي يحترم القبايليون تاريخها وإرثها الحضاري الأصيل في أوطانها، بل هو موجه ضد “الأيديولوجيا الرسمية للنظام الجزائري” التي تسعى إلى صهر كافة الهويات الأصلية في قالب واحد مستورد، واستخدام المؤسسات الدولية كأداة لإضفاء الشرعية على هذا الطمس.
لقد حاولت النخب القبايلية لعقود طويلة، منذ استقلال الجزائر، النضال من أجل انتزاع اعتراف حقيقي بالتعددية الثقافية واللغوية وبناء دولة تحترم خصوصية الأقاليم والشعوب. غير أن استمرار سياسات الإنكار، وقمع الحريات، وتجريم المطالب الهوياتية والسياسية، وصولاً إلى مصادرة التراث التاريخي ونسبته لغير أهله، أوصل شريحة واسعة من القبايليين —ممثلين في حركة تقرير المصير (ماك) وحكومة “أنفاد”— إلى قناعة راسخة بأن حماية الهوية القبايلية من الانقراض لا يمكن أن تتحقق إلا عبر سيادة سياسية كاملة ودولة مستقلة تمتلك قرارها الثقافي والتربوي والدبلوماسي.
إن المعركة الدائرة اليوم حول هوية بجاية وميلة في أروقة اليونسكو تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقيته؛ فحماية التراث العالمي لا تعني تكديس المعالم في سجلات إدارية تقدمها الحكومات المركزية، بل تعني أولاً وقبل كل شيء احترام الحقيقة التاريخية، والإنصات إلى الشعوب الأصلية صاحبة الأرض والتاريخ، والإقرار بحق شعب القبائل في أن يكون سيداً على أرضه، وذاكرته، ومستقبله.

