النَّيْجَرُ تَرُدُّ عَلَى عَسْكَرَةِ “مَادَامَا” مِنْ بَنْغَازِي: صَدْمَةٌ فِي قَصْرِ الْمُرَادِيَّةِ… كَيْفَ حَوَّلَتْ نِيَامِي وَبَنْغَازِي التَّهْدِيدَاتِ الْحُدُودِيَّةَ إِلَى شَرَاكَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّةٍ مُغْلَقَةٍ؟
عبدالقادر كتـــرة
“تولى وزير الخارجية والتعاون الدولي بالحكومة الليبية (المكلفة من مجلس النواب)، الدكتور عبد الهادي الحويج، توديع رئيس وزراء النيجر علي محمد الأمين زين والوفد الرسمي المرافق له في ختام زيارته الرسمية إلى مدينة بنغازي.
جاء حفل التوديع والمغادرة بعد زيارة رسمية أجراها الوفد النيجري الرفيع إلى شرق ليبيا، والتي أسفرت عن أبرز المحطات التالية:
توقيع بروتوكول تعاون استراتيجي: وقّع رئيس وزراء النيجر اتفاقاً استراتيجياً شاملاً مع نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول صدام حفتر، لتعزيز التنسيق الأمني والعسكري، وضبط الحدود المشتركة، وتوسيع مجالات الشراكة الاقتصادية.
مباحثات رفيعة المستوى: التقى المسؤول النيجري خلال الزيارة بكل من رئيس الحكومة الليبية أسامة حماد، والقائد العام المشير خليفة حفتر، لبحث قضايا حسن الجوار ودعم الاستقرار الإقليمي في منطقة الساحل وجنوب ليبيا.
مستوى التمثيل: ضم وفد جمهورية النيجر قيادات سياسية وعسكرية بارزة، على رأسهم رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة النيجرية، الفريق مامان ساني كياو.”
لم تكن مراسم توديع وزير الخارجية والتعاون الدولي بالحكومة الليبية، الدكتور عبد الهادي الحويج، لرئيس وزراء النيجر علي محمد الأمين زين في مطار بنغازي، مجرد بروتوكول دبلوماسي يختتم زيارة رسمية؛ بل كانت إعلاناً فعلياً عن ولادة محور أمني وعسكري جديد يعيد هندسة موازين القوى في منطقة الساحل والصحراء، ويوجّه ضربة استباقية حاسمة للتحركات الإقليمية المناوئة، وعلى رأسها مساعي النظام العسكري الجزائري للتمدد جنوباً.
جاءت زيارة الوفد النيجري الرفيع إلى شرق ليبيا بتمثيل غير مسبوق، جمع بين الثقل السياسي المتمثل في رئيس الوزراء، والثقل العسكري المتمثل في رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة النيجرية، الفريق مامان ساني كياو. هذا التشكيل عكس منذ اللحظة الأولى أن نيامي لم تأتِ إلى بنغازي للمجاملة السياسية، بل لصياغة “عقيدة أمنية مشتركة” مع القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية بقيادة المشير خليفة حفتر، والحكومة الليبية برئاسة أسامة حماد.
بروتوكول بنغازي.. سلاح الردع المشترك في الجنوب
شكّل توقيع بروتوكول التعاون الاستراتيجي الشامل بين رئيس وزراء النيجر ونائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول صدام حفتر، حجر الزاوية في هذه الزيارة. الاتفاق لم يكتفِ بالعناوين العامة، بل وضع آليات تنفيذية مباشرة تشمل:
1- التنسيق العسكري والأمني الميداني: توحيد جهود الرصد والملاحقة وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الجيشين الليبي والنيجري.
2- إحكام قبضة الحديد على الحدود المشتركة: إغلاق الثغرات في المثلث الحدودي الاستراتيجي أمام أي اختراقات مسلحة أو تحركات مشبوهة عابرة للحدود.
3- فتح الشرايين الاقتصادية: تحويل المناطق الحدودية من بؤر توتر واستنزاف إلى ممرات تجارية واقتصادية تمنح النيجر – الحبيسة جغرافياً – منفذاً حيوياً آمناً نحو البحر المتوسط عبر الأراضي الليبية.
الرد المباشر على تحركات “قاعدة ماداما”
لا يمكن قراءة هذا التقارب المتسارع بين بنغازي ونيامي بمعزل عن التوقيت الحرج الذي جاء فيه؛ فالتوقيع على البروتوكول الاستراتيجي جاء مباشرة عقب الأنباء والتحركات الميدانية المتعلقة بوصول جنود جزائريين إلى قاعدة “ماداما” العسكرية شمال النيجر، بالقرب من الحدود الجنوبية لليبيا.
تلك الخطوة التي أرادها النظام الجزائري ورقة ضغط وموطئ قدم متقدم لمحاصرة القرار السيادي في نيامي من جهة، ومحاولة خلط الأوراق في الجنوب الليبي الخاضع لسيطرة القوات المسلحة العربية الليبية من جهة أخرى، سرعان ما تحولت إلى عبء استراتيجي على صانعيها. فبدلاً من أن تنجح الجزائر في فرض طوق أمني يخدم أجندتها، دفعت هذه التحركات قيادتي نيامي وبنغازي إلى تسريع إشهار تحالفهما العسكري المباشر، لتصبح أي قوة أجنبية تتحرك في تلك الرقعة الجغرافية محاصرة بتفاهم ميداني صلب بين أصحاب الأرض الفعليين.
صدمة النظام العسكري الجزائري.. تآكل النفوذ وحصار الجغرافيا
مثّلت مخرجات قمة بنغازي صدمة حقيقية لدوائر صنع القرار في الجزائر لعدة اعتبارات استراتيجية:
– كسر الاحتكار الجغرافي: رهان الجزائر الدائم على خنق النيجر اقتصادياً وجغرافياً عبر ورقة الحدود المغلقة سقط عملياً بعد فتح الخط التجاري والاقتصادي المباشر مع شرق وجنوب ليبيا.
– تحييد ورقة “أمن الحدود”: بتوقيع الفريق أول صدام حفتر ورئيس وزراء النيجر بحضور رئيس أركانها على اتفاق ضبط الحدود، سُحب البساط كلياً من تحت الذرائع التي يستند إليها النظام الجزائري لتبرير تدخلاته أو تحركاته العسكرية في شمال النيجر.
– تمدد ثقل القيادة العامة الليبية: أثبتت زيارة بنغازي أن المشير خليفة حفتر والقيادة العامة في الرجمة هم الرقم الأصعب والضامن الفعلي للاستقرار في معادلة الساحل الأفريقي، وأن العواصم الأفريقية الفاعلة تتجه مباشرة إلى بنغازي لعقد الصفقات الاستراتيجية الكبرى بعيداً عن وصاية الجزائر أو محاولات التهميش.
لقد غادر علي محمد الأمين زين والوفد العسكري المرافق له مدينة بنغازي محمّلين بضمانات أمنية وشراكة استراتيجية تغير قواعد الاشتباك في المنطقة؛ ليبقى المشهد في صحراء الساحل مفتوحاً على واقع جديد، عنوانه الأبرز أن التحالفات الواقعية الميدانية بين بنغازي ونيامي قد أغلقت الباب نهائياً أمام سياسات فرض الأمر الواقع ومغامرات القواعد المتقدمة.

