في رقبة المنصوري : سيارات الدولة والجماعات ليست امتيازا بل أمانة عمومية
نداء إلى رئيسة الحكومة: من ترشيد الخطاب إلى ترشيد الممارسة
ع.ر.ب
حين تتحدث الحكومة عن ترشيد النفقات، وعن حماية القدرة الشرائية، وعن دولة اجتماعية لا تهدر مواردها، فإن أول اختبار لمصداقية هذا الخطاب لا يوجد في القوانين المالية الكبرى، بل في الشارع، أمام أعين المواطنين، في مشهد يتكرر كل يوم.. سيارة تحمل لوحة حمراء (ميم/حمراء)، أو لوحة جماعة ترابية (جيم/حمراء)، تتحول بعد السادسة مساء إلى وسيلة نقل عائلية، أو إلى سيارة تسوق، أو إلى وسيلة للتنقل نحو الأعراس والرحلات والشواطئ.
يُكلف هذا التسيب الصامت خزينة الدولة الملايير، ويضرب في العمق ثقة المواطن في الإدارة. ولذلك، فإن المطلوب اليوم من رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، التي تقود أول حكومة ترأسها امرأة في تاريخ المغرب، والتي قدمت برنامجا حكوميا يضع حماية القدرة الشرائية وتعميم الحماية الإجتماعية في صلب أولوياته، ليس فقط أن تدعو إلى الترشيد، بل أن تفعّل القانون بصرامة، وأن تجعل من ملف سيارات الدولة والجماعات نموذجا للإرادة السياسية في القطع مع الريع.
القانون واضح.. والمخالفة أوضح
لا يحتاج الأمر إلى تأويل
ينص المرسوم رقم 2.14.652 الصادر بتاريخ 30 نونبر 2015، المتعلق بسيارات الدولة، في مادته السابعة على أن “سيارات الدولة تستعمل حصرا للقيام بالمهام الإدارية، ويمنع استعمالها خارج أوقات العمل أو في الأغراض الخاصة”.
هذا النص ليس توصية أخلاقية بل قاعدة آمرة، ينسجم مع القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، خاصة القانون رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، والقانون 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم، التي تعتبر سيارات الجماعات ملكا عموميا تابعا للإدارة، ويحظر استعمالها خارج المهام المرتبطة بالخدمة العمومية أو الأغراض الرسمية.
والمعنى القانوني صريح، لا يحق لأي منتخب سواء كان رئيسا أو نائبا أو عضوا، أن يقود سيارة الجماعة لأغراضه الخاصة، ولا أن يحتفظ بها في مرآب منزله، ولا أن يستعملها عائلته. الإستعمال غير المشروع ليس “تجاوزا بسيطا”، بل إخلال بمبدأ حسن تدبير المال العام، ومساس بقدسيته، لأن هذه السيارات تُقتنى وتُصان وتُزوّد بالوقود من أموال عمومية مخصصة حصريا لخدمة المرفق العام.
وتشير المعطيات التي كشفت عنها وزارة الاقتصاد والمالية إلى أن متوسط الإنفاق السنوي على اقتناء السيارات كان يناهز 420.54 مليون درهم، دون احتساب مصاريف الكراء والصيانة والوقود والتأمين. أي أننا أمام ميزانية كاملة تُهدر جزء كبير منها في صمت، بينما تشتكي جماعات قروية من غياب سيارة إسعاف واحدة، أو من تعطل حافلة للنقل المدرسي.
جهة الشرق مرآة للتسيب الوطني
إذا كانت الظاهرة وطنية، فإن جهة الشرق تقدم أمثلة صارخة عنها، بحكم اتساع مجالها الترابي، وتعدد جماعاتها القروية والحضرية، وضعف آليات المراقبة الميدانية. وهنا لا نتحدث عن حالات معزولة، بل عن أنماط متكررة يتداولها المواطنون والفاعلون الجمعويون، وتتواتر في النقاش العمومي المحلي.
تتحول في وجدة سيارة المصلحة إلى سيارة العائلة. يتكرر في عاصمة الجهة مشهد سيارات تحمل علامة جماعة أو مؤسسة عمومية وهي مركونة أمام المدارس الخاصة وقت خروج التلاميذ، أو أمام الأسواق الممتازة والمقاهي في المساء. والمواطن الذي ينتظر مصلحة إدارية معطلة بسبب “خروج السيارة في مهمة”، يكتشف لاحقا أن “المهمة” كانت نقل أبناء أو أقارب مسؤول.
ويشتد في أقاليم الناظور وبركان الإستغلال في فترات الذروة، موسم الصيف والمناسبات الدينية والحملات الانتخابية. تتحول سيارات الجماعات إلى وسائل لنقل الضيوف، ولتوزيع المساعدات في سياق انتخابي، وللتنقل بين الضيعات والمنازل الثانوية. ويتحول هنا المال العام إلى رأسمال انتخابي، ويتحول المرفق العام إلى آلة لخدمة الزبونية السياسية.
ويُلاحظ بالجماعات القروية في تاوريرت وجرادة وفكيك، غياب الحسيب والرقيب، خاصة في الجماعات النائية حيث لا صحافة محلية قوية ولا مراقبة يومية، يصبح الإستعمال الشخصي هو القاعدة لا الإستثناء. تجد سيارة الجماعة الوحيدة، التي من المفروض أن تكون رهن إشارة الساكنة لنقل المرضى أو قضاء مصالح إدارية مستعجلة، (تجدها) في عطلة نهاية الأسبوع خارج الإقليم دون أمر بمهمة ودون ترخيص ودون دفتر للتنقل يوثق مسارها.
ولم يسلم حتى الأسطول الإجتماعي من التسيب، وهو الخطير. وأصدرت وزارة الداخلية في شتنبر 2025 توجيهات صارمة للولاة والعمال من أجل ضمان استعمال الحافلات وسيارات الإسعاف والمركبات العمومية الأخرى للأغراض المخصصة لها فقط، بعد أن كشفت تحقيقات عن استغلال بعض المنتخبين لهذه الوسائل خارج مهامها. عندما تُستعمل سيارة إسعاف في غير مهمتها، فالأمر لا يتعلق فقط بهدر المال، بل بحياة مواطن قد يحتاجها ولا يجدها.
لماذا يجب أن تتدخل رئيسة الحكومة الآن؟
لأن المعالجة القطاعية لم تعد كافية. وزارة الداخلية تراقب، ووزارة المالية تقترح وضع سقف دوري لاقتناء السيارات وتقنين الترخيص عبر عقود بين الإدارة والمستعمل، والأمن الوطني والدرك الملكي يقومان بحملات للمراقبة، لكن دون إرادة سياسية مركزية ودون عقوبات رادعة ومعلنة، يبقى كل ذلك مجرد حملات موسمية تنتهي بانتهاء الضجة الإعلامية.
المطلوب من رئيسة الحكومة، في إطار ترشيد النفقات الذي نادت به حكومتها، هو حزمة من القرارات الواضحة.
تفعيل المنع بشكل صريح وعلني، بتعميم دورية حكومية ملزمة لجميع القطاعات والجماعات والمؤسسات العمومية، تذكّر بمنع استعمال سيارات الدولة خارج أوقات العمل وفي الأغراض الخاصة، مع تحديد المسؤوليات التأديبية والجنائية عند المخالفة.
وإلزامية دفتر التنقل الإلزامي و GPS. ولا سيارة عمومية بدون دفتر تنقل مرقّم، ولا بدون أمر بمهمة موقع، ولا بدون نظام تتبع عبر “جي بي إس” GPS، ومن يرفض تركيبه فهو يعلن ضمنيا نيته في الإستعمال غير المشروع.
وحجز السيارات المخالفة ونشر أسماء المخالفين، ويجب أن تكون العقوبة فورية، من حجز إداري واقتطاع من التعويضات والمتابعة التأديبية ونشر حصيلة المراقبة، فالشفافية هي أقوى رادع.
وتقليص الحظيرة وتقنين الكراء، بوقف اقتناء السيارات الفاخرة، وتحديد سقف صارم لعدد السيارات لكل جماعة حسب حجمها وعدد سكانها، ومراجعة عقود الكراء التي أصبحت بابا جديدا للريع.
وحماية المبلّغين، بفتح خط أخضر ورقم للتبليغ عن استغلال سيارات الدولة، مع حماية المواطنين والموظفين الذين يبلغون عن المخالفات بالصور والفيديو.
المال العام مقدس والقدوة تبدأ من الأعلى
لا يُطالب المواطن المغربي الذي يدفع الضرائب، ويتحمل غلاء المعيشة، بالمعجزات. يطالب فقط بأن لا يرى سيارة اشتراها بماله تُستعمل لنقل أغراض شخصية لمسؤول لا يؤدي حتى ثمن وقودها.
وترشيد النفقات ليس شعارا في قانون المالية، بل سلوك يومي يبدأ من مرآب الإدارة. وإذا أرادت الحكومة أن يقتنع المغاربة بأنها جادة في محاربة الهدر، فعليها أن تبدأ من سيارة الدولة، لأن من لا يحترم سيارة الدولة، لن يحترم ميزانية الدولة. وترافقها في نفس الآن سيارة الجماعة.


