الْوَزِيرُ وَالدِّبْلُومَاسِيُّ الْجَزَائِرِيُّ الْأَسْبَقُ عَبْدُ الْعَزِيزِ رَحَابِي يَعْتَرِفُ بشأن “الـ 220 مُقَاتِلاً” جزائريا أَسْرَى حَلَبَ: قِصَّةٌ لِتَوَرُّطِ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ وَمِيلِيشْيَاتِهِ مَعَ سَفَّاحِ دِمَشْقَ الْهَارِبِ..
عبدالقادر كتـــرة
طوال عقود، دأب النظام العسكري الجزائري على تسويق نفسه في المحافل الإقليمية والدولية كحامل للواء “حركات التحرر” ونصرة الشعوب المقهورة، متخذاً من المقولة الشهيرة “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة” شعاراً استهلاكياً لتلميع صورته الخارجية.
غير أن المأساة السورية، منذ اندلاع ثورتها الشعبية عام 2011 وحتى السقوط المدوي لنظام بشار الأسد وهروبه المذل إلى موسكو في ديسمبر 2024، كانت بمثابة المختبر الحقيقي الذي أسقط ورقة التوت عن هذا الخطاب، كاشفاً عن عقيدة عسكرية وأمنية لا تنحاز إلا للأنظمة الديكتاتورية القمعية، وتضع إمكانياتها في خدمة الجلاد ضد الضحية.
اعترافات صادمة: من 220 عنصراً إلى مئات المتورطين في المقتلة السورية
أعادت التسريبات والمقاطع الحوارية المتداولة لسياسيين ودبلوماسيين جزائريين سابقين، وفي مقدمتهم الوزير والدبلوماسي الأسبق عبد العزيز رحابي*، تسليط الضوء على حجم التورط الفعلي للجزائر في المستنقع السوري. فبينما حاولت الآلة الدعائية الرسمية في الجزائر طيلة سنوات الحرب الإيحاء بأن موقفها يقتصر على “الحياد الإيجابي” و”رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول”، كشفت الوقائع الميدانية والاعترافات المتتالية عن وجود مئات الجزائريين -من بينهم الرقم المتداول حول 220 عنصراً، وصولاً إلى تقارير دولية وسورية تحدثت عن نحو 500 عنصر من العسكريين الجزائريين ومرتزقة ميليشيا “البوليساريو”- الذين قاتلوا فعلياً في الخنادق الأمامية إلى جانب قوات الأسد والميليشيات الطائفية الرديفة له.
ولم يكن هذا الحضور مجرد حالات فردية معزولة؛ إذ وثّقت تقارير استقصائية انخراط عناصر جزائرية في تشكيلات مسلحة قاتلت تحت عباءة النظام السوري والمحور الإيراني، مثل ميليشيا “الحرس القومي العربي” التي شاركت في حصار المدن السورية وقصف المدنيين.
ومع العلم اليقيني لأجهزة المخابرات الجزائرية بهذا التدفق نحو ثكنات الأسد، فإن نظامي بوتفليقة وتبون لم يكتفيا بغضّ الطرف عنه، بل وفّرا له الغطاء السياسي والدبلوماسي واللوجستي الكامل، انطلاقاً من رغبة محمومة في إبقاء نظام عائلة الأسد جاثماً على صدور السوريين مهما بلغت فاتورة الدم والدمار.
تحالف الثكنات: لماذا ربط عسكر الجزائر مصيره بسفاح دمشق؟
لفهم دوافع هذا الانخراط الإجرامي إلى جانب نظام أُدين دولياً وقضائياً بارتكاب أبشع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا بد من تفكيك البنية الذهنية للنظام العسكري الجزائري. فالمؤسسة الحاكمة في الجزائر نظرت منذ اليوم الأول إلى الحراك الشعبي السوري المطالب بالحرية والكرامة باعتباره تهديداً وجودياً لنموذج الحكم العسكري الشمولي.
لقد شكّل التقاطع مع محور طهران – دمشق حجر الزاوية في استراتيجية النظام الجزائري الإقليمية؛ فبينما كانت طهران وميليشياتها تزود جبهة “البوليساريو” الانفصالية بالتدريب والدعم لتهديد استقرار المنطقة المغاربية، كان النظام الجزائري يرد الجميل في المشرق عبر:
– الدعم الدبلوماسي المستميت: الوقوف ضد قرارات تجميد عضوية نظام الأسد في الجامعة العربية، والقتال الدبلوماسي لإعادته إلى الساحة العربية وتبييض صفحته رغم البراميل المتفجرة والمجازر الكيميائية.
– التنسيقةالأمني والاستخباراتي: تبادل الخبرات القمعية تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب”، وهو الشعار الفضفاض الذي استخدمه نظام الأسد لتبرير إبادة مدن كاملة وتهجير ملايين السوريين.
– التورط الميداني بالوكالة: الزجّ بعناصر عسكرية ومرتزقة من مخيمات تندوف للقتال في محيط حلب ودمشق دفاعاً عن نظام متهالك كان يلفظ أنفاسه الأخيرة.
ما بعد هروب الأسد: ارتباك جزائري وملاحقة لا تسقط بالتقادم
شكّل سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، وفراره ليلاً إلى روسيا، ثم صدور أحكام القضاء السوري في غست 2026 بالإعدام بحق المتورطين في جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين، صدمة مدوية لعسكر الجزائر. فقد كشف هذا الهروب والمسار القضائي اللاحق عري الدبلوماسية الجزائرية التي وجدت نفسها في زاوية ضيقة، عاجزة عن تفسير حجم التورط الميداني والاستخباراتي لمواطنيها ومرتزقتها في أتون المحرقة السورية.
إن ملف “الـ 220 مقاتلاً” وأسرى حلب لم يعد مجرد تسريبات صحفية عابرة، بل تحول إلى وثيقة إدانة تاريخية وقضائية تورط النظام الجزائري في دماء الشعب السوري.
ومع تواصل مسار العدالة الانتقالية في سوريا وملاحقة فلول المرتزقة والمتعاونين مع النظام البائد، فإن هذه الملفات لا تسقط بالتقادم، وستظل تلاحق أركان النظام العسكري الجزائري لتكشف الوجه الحقيقي لسياسات شعاراتها المرفوعة زوراً باسم تحرير الشعوب، بينما كانت في الواقع تمارس أبشع صور التواطؤ مع الديكتاتوريات الدموية.
*ملاحظة: الشخصية الظاهرة في المقطع المصور وصورة الغلاف هو عبدالعزيزرحابي (مواليد 1954)، وهو دبلوماسي وسياسي جزائري بارز، شغل سابقاً منصب وزير الثقافة والاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة الجزائرية (1998–1999)، كما عمل سفيراً للجزائر في كل من إسبانيا والمكسيك، ومديراً للصحافة والإعلام ومتحدثاً رسمياً باسم وزارة الخارجية الجزائرية. يُعرف رحابي بخرجاته الإعلامية وحواراته في برامج “البودكاست” السياسية التي يتناول فيها كواليس السياسة الخارجية الجزائرية وتناقضاتها الإقليمية.
فيديو للمشاهدة

