التَّبُورِيدَةُ الْمَغْرِبِيَّةُ: هَيْبَةُ الْأَصَالَةِ الْمُتَرَسِّخَةِ فِي التَّارِيخِ… فِي مُوَاجَهَةِ التَّقْلِيدِ الْأَعْمَى وَسَقَطَاتِ “فِعْلِ الْقِرَدَةِ”…تَارِيخٌ يُكْتَبُ بِالْبَارُودِ وَالْفُرُوسِيَّةِ، وَتَقْلِيدٌ يَسْقُطُ فِي فَخِّ الضَّحِكِ وَالسُّخْرِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
في عالم تتسابق فيه الأمم لإبراز هويتها وصون موروثها الحضاري والإنساني، تبرز الثقافة المغربية كشجرة باسقة ضاربة جذورها في أعماق التاريخ.
ومن أبرز تجليات هذه الأصالة تبرز “التبوريدة” أو فن الفروسية التقليدية، ليس فقط كلوحة فنية تنبض بالرجولة والشهامة، بل كمنظومة متكاملة من القيم، والمهارات المكتسبة عبر الأجيال، والانضباط الدقيق الذي يتطلب بيئة حاضنة، وتقاليد عريقة، ورعاية مؤسساتية صارمة.
غير أن المشهد الثقافي الإقليمي يشهد أحياناً مفارقات غريبة؛ تتمثل في محاولات بائسة للسطو على هذا الإرث واستنساخه بطريقة عشوائية تفتقر لأبسط قواعد الاحتراف والسلامة.
وهنا يتحقق في الواقع المثل البليغ: “مثل الغراب الذي أراد أن يقلد الحمامة فعجز، ولما أراد العودة إلى مشيته نسيها”، فضلاً عن الحكمة القائلة: “إلبس قدك يواتيك، والمكسي بديال الناس عريان”.
أوهام التقليد الأعمى وعناد الأطفال
إن ما يقدمه الطرف المجاور من محاولات يائسة لنسب التبوريدة المغربية إليهم ليس سوى انعكاس لأزمة عميقة في بناء الهوية. فالتقليد الأعمى، حين يخلو من الحنو التاريخي والمراس الحقيقي، يتحول إلى ما يشبه “فعل القردة”؛ حركات بهلوانية عشوائية تفتقر للروح والمضمون.
وما يزيد الطين بلة هو ذلك “العناد الطفولي” المستمر رغم تكرار السقطات المدوية والفشل الذريع على الميدان، وصولاً إلى تحول تلك العروض إلى مادة للتهكم والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي عالمياً.
إن إصرار البعض على ارتداد ثوب ليس على مقاسهم لا يجلب لهم سوى الإحراج، ويضع مؤسساتهم الإعلامية والثقافية في مهب السخرية، لأن التاريخ لا يُشترى بالقرارات الفوقية، والأصالة لا تُستنسخ ببيانات التلفيق.
التراث: حضارة، إرث، وتاريخ صامد
إن الفرق الشاسع بين المشهدين يكمن في معادلة بسيطة: التراث حضارة، والتقليد مجرد حركة عابرة.
– فالتليد المغربي يرتكز على مؤسسات، وقوانين، ومعايير دقيقة تحمي الفارس والخيل، وتنظم إقاع “المحكة” بطلقة بارود متزامنة تعززها عقود من الممارسة المنظمة.
– أما الاستنساخ الأجوف فيقوم على الوهم، والهروب إلى الأمام لمحاولة التعويض عن النقص الهنات في الهوية المحلية.
قراءة في التداعيات المستقبلية
إن التمسك العنيد بمحاولة سرقة التراث المغربي لن يؤدي بالمجتمع المجاور إلا إلى مزيد من الانحدار الثقافي والتخبط النفسي. فبدلاً من استثمار الجهود في إبراز موروثهم الحقيقي وتطويره، يغرقون في وهم استهلاك إنجازات الغير، مما يحولهم إلى أضحوكة إقليمية ودولية.
في المقولة الشهيرة: “وعين الرضا عن كل عيب كليلة”، لكن العالم الرقمي اليوم لا يرحم؛ فهو يوثق السقطات والمهازل بالصوت والصورة. وستبقى التبوريدة المغربية، بكل كبريائها وأصالتها، شامخة كحصن حصين، يرتشف من نبع التاريخ ليقول لكل مقلد عابث: “الأصل يبقى أصلاً، والتقليد مهما طال أمده، مآله إلى السقوط” و”الرجوع إلى أصل أصل” .

