الْكَاتِبُ الْفَرَنْسِيُّ الْجَزَائِرِيُّ “بُوعَلَامْ صَنْصَالْ” كَابُوسُ النِّظَامِ الْعَسْكَرِيِّ الْجَزَائِرِيِّ، مِنْ الدَّاخِلَةِ إِلَى بَارِيسَ: شَهَادَةٌ لِلتَّارِيخِ تَضَعُ “مَمْلَكَةَ الْبُنَاةِ” فِي مُوَاجَهَةِ “ثُكْنَةِ الشِّعَارَاتِ”
عبدالقادر كتـــرة
حين حطّ الروائي والمفكر العالمي بوعلام صنصال رحاله في الدار البيضاء أواخر أكتوبر 2026، لم يكن مجرد زائر عادي يكتشف بلداً طالما حُرم من الاقتراب منه؛ بل كان شاهداً حياً خرج لتوه من عباءة القمع في الجزائر ليكتب واحدة من أعمق المقارنات الجيوسياسية والحضارية في شمال إفريقيا. فالكاتب ذو الجذور المغربية، الذي سُجن في الجزائر وجُرّد من جنسيته وطُرد من بلده لمجرد أنه جهر بالحقيقة التاريخية حول مغربية الصحراء، اختار أن يردّ على جلاديه من قلب الرباط وفاس والدار البيضاء، وصولاً إلى الداخلة في أقصى الجنوب المغربي.
إن النص الذي نشره صنصال عقب عودته إلى باريس في السادس من نونبر 2026، يتجاوز كونه “رسالة حب” إلى المغرب؛ إنه وثيقة تشريحية دقيقة تضع القارئ العربي والدولي أمام نموذجين متناقضين تماماً على ضفتي حدود مغلقة: دولة أمة تبني قوتها بالعلم والعمل في الغرب، ونظام عسكري يبدد ثروات أمة كاملة في أوهام الحرب بالشرق.
المغرب: حين تُصنع القوة بالسواعد لا بآبار النفط
أول ما يلفت انتباه الزائر المتأمل في شهادة صنصال هو تفكيكه لمفهوم “القوة” في القرن الحادي والعشرين.
فالمغرب، كما رآه الكاتب، أدرك تحت قيادة الملك محمد السادس حقيقة جوهرية غابت عن أنظمة الريع؛ وهي أنه في عالم يتحرك بسرعة الحواسيب، لا يمكن استيراد القوة أو شراؤها بأموال النفط والغاز، ولا يمكن انتزاعها بالخطب الثورية الرنانة، بل تُصنع محلياً بعبقرية الإنسان وجهده.
لقد وقف صنصال مذهولاً أمام التحولات الميدانية التي تشهدها المملكة، موثقاً ثلاث ركائز أساسية تصنع الفارق المغربي اليوم:
1- التموقع المالي والاقتصادي القاري: لم يكتفِ “القطب المالي للدار البيضاء” (CFC) بتشييد أبراج زجاجية حديثة، بل تحول إلى شريان حيوي يربط رؤوس الأموال الأوروبية والدولية بتدفقات الاستثمار في العمق الإفريقي.
2- الجغرافيا الاقتصادية في الصحراء المغربية: من مدينة الداخلة، التي وصفها بـ”الداخلة الجديدة” حيث تعانق الصحراء المحيط الأطلسي قبالة الأمريكتين، رصد الكاتب المشروع العملاق لميناء الداخلة الأطلسي المقرر افتتاحه عام 2028، والذي سيمنح إفريقيا نافذة بحرية وتجارية مباشرة على العالم، محولاً الإرادة السياسية إلى واقع جغرافي ملموس.
3- الاستثمار في العقول والجامعات: في غياب الثروة النفطية التي تغري بالتواكل والغطرسة، راهن المغرب على مورده البشري الذكي والمتعدد اللغات.
وقد لمس صنصال هذا الرهان داخل جامعة محمد الخامس بالرباط والجامعة الأورومتوسطية بفاس، واصفاً إياهما بمختبرات ابتكار تُعدّ جيلاً جديداً للقيادة والبحث العلمي المتقدم.
«لو أردنا تقييم القيمة الحقيقية لدولة ما، لَقِسنا نجاحها ليس بما تجود به الأرض عليها بمحض الصدفة، بل بما يبتكره شعبها بالكدح والقدرة على الاستشراف الرابح» — بوعلام صنصال
الجزائر تحت حكم العسكر: سجن الريع ومسرحية “العدو الخارجي”
في مقابل هذه اللوحة المشرقة لبلد “يكتب تاريخه بيديه”، تنقلب الصورة تماماً حين يوجه صنصال خطابه إلى أصدقائه الجزائريين.
هنا تتحول لغة الكاتب إلى مشرط جراح يكشف العطب البنيوي للنظام العسكري-البيروقراطي الذي صادر سيادة الشعب الجزائري وقاد البلاد إلى نفق مسدود.
يطرح المقال سؤالاً جوهرياً: لماذا يصرّ النظام الجزائري على تغذية مناخ الحرب ضد المغرب وتكديس جبال الأسلحة في كل زاوية؟
تأتي إجابة صنصال قاطعة ومن داخل البيت الجزائري: إن هذه العنتريات والمناورات العسكرية المتلفزة — التي يسخر منها الكاتب بوصفها “حرب النجوم ضد الجراد” — ليست موجهة لحماية الحدود، بل هي أداة قمع داخلي بامتياز.
فالمؤسسة العسكرية تحتاج إلى إبقاء المواطن الجزائري تحت وطأة “قانون استثناء” غير معلن، عبر تخويفه الدائم بـ”عدو خارجي” يتربص بالحدود، و”عدو داخلي” يضرم الحرائق ويسمم الآبار.
هذا الرعب المصطنع هو الستار الدخاني الذي يخفي وراءه “العرفاء الكبار” (كما يسميهم صنصال) البؤس الاقتصادي والاجتماعي الذي تغرق فيه البلاد، وهو الوسيلة الوحيدة لمواصلة احتكار الريع النفطي بعيداً عن أي مساءلة شعبية.
والأدهى من ذلك، أن هذه النخبة العسكرية التي تدّعي زوراً وبهتاناً وراثة شرعية “جيش التحرير الوطني”، يتناسى قادتها أن نواتهم الأولى كانت تتمركز أيام الثورة في ضيافة المغرب “تنعم بالبرودة تحت ظلال النخيل” بعيداً عن جحيم المعارك الحقيقية التي خاضها الجزائريون في الداخل.
انتصار “القفزة” على “أوهام الجسور”
إن المفارقة الكبرى التي تكشفها رحلة بوعلام صنصال تكمن في حسابات النظام الجزائري الخاطئة؛ فقد ظنّ الرئيس عبد المجيد تبون ومن ورائه جنرالات الجيش أن سجن كاتب في عقده الثامن وتجريده من جنسيته سيخرس صوته ويجعل منه عبرة لغيره.
لكن النتيجة كانت تحريراً كاملاً للكاتب من قيود الدولة البوليسية، ليذهب بنفسه إلى الداخلة المغربية ويشهد من هناك على انتصار نموذج التعمير والتنمية على أطروحة الانفصال والتفرقة.
يستعير صنصال مقولة الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز: «ليس هناك جسر، ليس هناك سوى القفزة» ليلخص بها التجربة المغربية المعاصرة. فالمغرب لم ينتظر استرضاء الأنظمة المتكلسة في جواره، ولم يرهن مستقبله بصراعات الماضي، بل اختار القفز مباشرة نحو المستقبل عبر تأمين وحدته الترابية، وتنويع شراكاته الدولية، وتحديث بنيته التحتية، متسلحاً بدبلوماسية القانون والفن والسلام.
في المقابل، يقف النظام العسكري الجزائري شاهداً على مأساة الدول التي تملك كل مقومات الغنى المادي تحت ترابها، لكنها تفتقد الرؤية والشرعية فوق ترابها؛ فبينما يشيّد المغرب الموانئ القارية والمدن المالية والجامعات الذكية لربط إفريقيا بالعالم، يواصل حكام قصر المرادية بناء الجدران العازلة، وشراء الخردة العسكرية، وبيع الأوهام لشعب عظيم يستحق أن يعيش معنى السيادة الحقيقية: سيادة الحرية، والكلمة الصادقة، وبناء الإنسان.

