تحقيق صحفي حول التراشق بالحجر و”المكلاع” في “الدرافيف” بوجدة وما جاوره
ع.ر.ب
تشهد أحياء شعبية في وجدة، وفي مقدمتها محيط حي “الدرافيف” وحي الوفاق (الحي الحسني)، موجة متكررة من المواجهات بين مجموعات من القاصرين والشباب، تستعمل فيها الحجارة و”المكلاع” (المقلاع التقليدي). وتتحول الأزقة والبقع الفارغة، في ساعات المساء، إلى ساحة اشتباك مفتوحة، فيدفع الثمن في الغالب من لم يشارك فيها، من مارة ونساء وأطفال وأصحاب سيارات ومنازل.
ولوحظ أن الثابت في منشورات الساكنة بمواقع التواصل الإجتماعي، هو الطابع المتكرر، شبه اليومي، للظاهرة في أكتوبر المنصرم وبداية شهر نونبر الجاري، وخطورة الإصابات المحتملة، والشعور الواسع بانعدام الأمان. كما أن الساكنة، بحسب ما نقلته تلك المصادر، لا تضع الأمن في قفص الإتهام ، بل تطالب بتكثيف حضوره، مع تحميل المسؤولية أيضا للأسرة والمدرسة والمنتخبين والمجتمع المدني.
وركزت التغطيات الصحفية الأحدث حول المواجهات على الحي الحسني / الوفاق، وتذكر أحياء مجاورة مصدرا للمجموعات المشاركة، كولوش (كولوج)، والزرارقة، والنصر، والعامري، ورجاء في الله.
بعبارة أخرى، لا يمكن فصل “الدرافيف” عن حوض أحياء متجاورة تتحرك فيه المجموعات. لذلك يعتمد هذا التحقيق مقاربة “الحي والحوض المجاور”.
ما الذي يحدث ميدانيا؟
التوقيت والمكان
توصف فصول المواجهات بأنها تتكرر وفق توقيت يومي شبه قار، من صلاة العصر إلى ما بعد صلاة المغرب، وأن حي الوفاق والدرافبف يتحولان إلى نقطة تماس واشتباك. وتتحدث مصادر أخرى عن مواجهات “شبه يومية” في الحي الحسني/الوفاق والدرافبف منذ أيام، بمشاركة قاصرين يتوافدون من أحياء أخرى.
والمكان المفضل للإشتباك ليس شارعا رئيسيا مراقبا، بل بقع فارغة وأراض خلاء ومكبات أنقاض بين البنايات، وهي فضاءات توفر الحجارة الجاهزة، ومسالك فرار بين الأزقة الضيقة، وصعوبة في الضبط الفوري.
تستعمل أدوات كالحجر و”المكلاع” وهو التسمية الدارجة في وجدة للمقلاع (أداة بسيطة، غالبا من قماش أو جلد وحبلين، تطلق حجرا بسرعة ومدى أكبر بكثير من الرمي باليد). وتظهر المقاطع المتداولة بمواقع التواصل الإجتماعي شبانا يستعملون مقاليع يدوية الصنع فوق أكوام الأنقاض، وآخرين يلتقطون الحجارة ويتبادلون الرشق.
والفرق بين الحجر والـ”مكلاع” ليس شكليا. فالحجر المرمي باليد قد يجرح، لكن الحجر المنطلق من مقلاع يصل أسرع وأبعد، ويصعب تفاديه، ويرفع احتمال إصابة الرأس وكسور الوجه وإصابات العين. وهذا ما يجعل الظاهرة تتجاوز “شجار أطفال” إلى خطر جسدي حقيقي على المارة والسكان.
البعد الإستعراضي والتوثيق للتباهي
من أخطر ما تم رصدت أن بعض المشاركين يوثقون “غزواتهم” بمقاطع فيديو حية ويبثونها على صفحاتهم، كنوع من التباهي واستعراض القوة. وتظهر مقاطع متداولة على “فيسبوك” و”إنستغرام” مجموعات فوق أكوام الأنقاض، وشابا يستعمل مقلاعا، وآخرين يركضون ويتراشقون في بقعة ترابية محاطة ببنايات غير مكتملة.
ويغير هذا البعد طبيعة الظاهرة، لم يعد العنف لحظة غضب فقط، بل أصبح “رصيدا رمزيا” يبحث صاحبه عن اعتراف جماعة الأقران وجمهور المنصات. ويعيد كل مقطع منشور إنتاج النموذج، ويستقطب مشاركين جدد، ويحول الحي إلى مسرح مفتوح.
الحصيلة البشرية والمادية ما هو موثق وما هو غير موثق
تتحدث بعض المصادر عن إصابات جسدية متفاوتة وخسائر مادية جسيمة ، دون حصيلة رقمية رسمية. وإصابة فتاة صغيرة رضوض خطيرة ونزيف حاد في الرأس، نقلت إلى المستشفى لعملية جراحية عاجلة، بعد رشقها بحجر طائش أثناء خروجها مع والدتها من حمام شعبي ، في رواية تحتاج تأكيدا طبيا أو رسميا. وإصابة امرأة في الرأس نقل سريع إلى المستشفى بعد إصابتها في الرأس خلال مواجهات عشوائية دون اسم أو تقرير طبي منشور.
وتهشيم زجاج سيارات وتخريب أبواب منازل ومصلون يغلقون أبواب المسجد لإكمال الصلاة تحت دوي الحجارة، وتهشيم زجاج سيارات أجرة وتخريب أبواب منازل.. والخلاصة المنهجية تشير إلى أنه لا توجد في المصادر المتاحة حصيلة رسمية موحدة بعدد الجرحى أو الموقوفين خاصة بحي الدرايف وحده.
وللمقارنة، في واقعة مختلفة وسط وجدة، بمحيط ساحة باب سيدي عبد الوهاب، أوقفت مصالح الأمن الوطني 22 شخصا، من بينهم قاصرون، وأفرجت عن 11، واحتفظت بـ11 تحت الحراسة النظرية، رهن إشارة البحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة. وهذه الواقعة لا تخص الدرايف مباشرة، لكنها تبين أن السلطات تتعامل مع عنف القاصرين بالحجارة بمنطق التوقيف والبحث القضائي، لا بالتجاهل.
كيف يتحدث السكان على المنصات؟
تكشف تعليقات السكان على المقاطع المتداولة ثلاثة اتجاهات متداخلة، الغضب من غياب التربية والمراقبة الأسرية، في عبارات متكررة من قبيل “ولد وطلق للزنقة تربي” و”ربيوا ولادكم”، مع مطالبة باستدعاء أولياء الأمور وتحملهم المسؤولية، وبتدخل أمني أقوى. دعوات إلى تكثيف الدوريات، وتوقيف المحرضين، وعدم الإكتفاء بدورية عابرة.
وتدافع أقلية عن الشباب كضحايا غياب الفضاءات، وتعليقات تشير إلى غياب دار شباب وثقافة وملاعب قرب مجانية في بعض الأحياء، وتعتبر الفراغ والتهميش جزءا من المشكلة. وهذا الإنقسام مهم، الساكنة ليست كتلة واحدة تطالب بالقمع فقط، ولا كتلة واحدة تبرر العنف، تريد الغالبية حماية فورية، وجزء منها يريد أيضا بدائل حقيقية.
لماذا يحدث هذا؟ قراءة في الأسباب
● الأسرة من الحضور إلى الغياب،
يردد السكان الفرضية التي تروج بقوة، هي أن عددا من المشاركين يعيشون في أسر عاجزة عن المتابعة اليومية، إما بسبب ضغط العمل، أو التفكك الأسري، أو التساهل، أو فقدان سلطة تربوية فعلية داخل البيت. وعندما يغيب الحوار والمراقبة، يصبح الشارع هو المربي البديل، وجماعة الأقران هي المرجع.
ولا يعني ذلك إدانة كل الأسر في الحي. ففي الأحياء الشعبية نفسها أسر تبذل جهدا كبيرا لحماية أبنائها، لكنها تجد نفسها عاجزة أمام ضغط الجماعة وغياب فضاءات آمنة.
● عندما لا تعود المدرسة جاذبة أو حامية، وسجل على المستوى الوطني المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، انقطاع 276,179 تلميذا عن الدراسة خلال الموسم الدراسي 2024-2025، منهم 144,744 في التعليم الثانوي الإعدادي. وهذا الرقم الوطني لا يخص وجدة وحدها، لكنه يوضح حجم الخزان الإجتماعي الذي يغذي الشارع، بتلميذ منقطع، بلا تأطير، بلا مشروع، بلا فضاء.
وعندما تتحول المدرسة إلى مكان للفشل والتعثر والإكتظاظ، يبحث المراهق عن اعتراف في مكان آخر. وقد يجده في “حرب الأحياء” التي تمنحه دورا وبطولة وهمية لا تمنحها له القاعة الدراسية.
● الفضاء العمومي بقع فارغة بدل ملاعب ومراكز، ُتظهر المقاطع المتداولة أن ساحة المواجهة هي في الغالب بقعة ترابية مهملة، مليئة بالنفايات والأنقاض. وهذا ليس تفصيلا عمرانيا. ويجعل غياب ملعب قرب مؤطر ودار شباب نشيطة ومكتبة وفضاء رياضي مجاني، الفراغ هو القاعدة والعنف هو النشاط المتاح.
وتشير تعليقات السكان إلى هذا النقص تحديدا، حين يتحدثون عن حي بلا دار شباب وثقافة وبلا ملاعب قرب بالمجان. وهذا لا يبرر رشق المارة بالحجارة، لكنه يفسر لماذا يتجمع عشرات القاصرين في الخلاء كل مساء.
ثقافة “الحومة” والانتماء التنافسي
تتشكل المواجهات أحيانا على أساس الإنتماء إلى حي ضد حي آخر. وهذا الإنتماء ليس سياسيا ولا رياضيا بالضرورة، بل هو انتماء مجالي “نحن أبناء كولوش ضد أبناء الوفاق”، أو العكس. ويتحول الشجار إلى طقس لإثبات الرجولة والولاء والسيطرة على المجال.
ويلعب هنا التقليد دورا، جيل يرى الجيل الذي قبله يفعل ذلك، فيعيد إنتاجه، ويضيف إليه التوثيق بالفيديو.
هشاشة اقتصادية واجتماعية عامة
تتداخل في وجدة الهشاشة وتعثر المسار الدراسي وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل وضعف فرص التأطير في بعض الأحياء، وهذا السياق لا يصنع مجرما بشكل آلي، لكنه يضيق البدائل أمام المراهق، ويجعل الإنتماء إلى مجموعة عنيفة بديلا سهلا عن الإنتماء إلى مشروع دراسي أو مهني أو رياضي.
دور الأمن بين التجاوب والحدود الموضوعية
تظل التدخلات الأمنية الحالية، رغم تجاوبها مع الإتصالات، في نظر السكان غير قادرة على ضبط الوضع، لأنها تقتصر على دورية راكبة وحيدة أو عناصر فرقة الدراجين، وهي إمكانيات لا تتناسب مع حشود من القاصرين، ويطالب السكان بإنزال أمني مكثف مدعوم بعناصر القوات العمومية، وحملات تمشيطية واسعة، وتوقيف المحرضين.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات، الإستجابة الفورية بتدخل الأمن لكن المواجهة تتجدد بعد انسحاب الدورية. والضبط الوقائي يتطلب حضورا ثابتا في ساعات الذروة (العصر إلى ما بعد المغرب)، لا دوريات عابرة. والمعالجة القضائية والتربوية، لأن التوقيف وحده لا ينهي الظاهرة، خاصة عندما يكون المشاركون قاصرين يخضعون لمنطق حماية الطفولة، لا لمنطق العقوبة الصارمة وحدها.
ويقر المشرع المغربي، في إطار حماية الطفولة الجانحة، تدابير حماية وتهذيب بدلا من العقوبة السالبة للحرية في حالات كثيرة، مع منع إيداع الحدث الذي لم يبلغ 14 عاما كاملا بالنسبة للجنايات و16 عاما بالنسبة للجنح، ولو بصفة مؤقتة. يفسر هذا الإطار القانوني لماذا لا يمكن حل الظاهرة بالتوقيف وحده، لأن القاصر ليس راشدا والهدف القانوني هو الإصلاح والحماية لا الإنتقام.
وصادق مجلس النواب على مشروع القانون رقم 29.24 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو توحيد المتدخلين في مجال حماية الطفولة.
ما الذي يطالب به السكان فعلا؟
يمكن تلخيص مطالب الساكنة في خمسة مطالب، حضور أمني ثابت ومنتظم في ساعات الذروة لا دوريات متقطعة. وحملات تمشيطية واسعة وتوقيف المحرضين والموثقين الذين يحرضون عبر الفيديو. واستدعاء أولياء أمور القاصرين المتورطين وتحملهم المسؤولية التربوية والقانونية. وتأمين محيط المساجد والمدارس والحمامات الشعبية والطرق التي يعبرها المارة. وفتح فضاءات بديلة من ملاعب قرب مؤطرة، أنشطة رياضية وثقافية، برامج إدماج للمنقطعين عن الدراسة.
توصيات عملية من رد الفعل إلى الوقاية
تثبيت نقطة أمنية مؤقتة على المدى القصير (أيام وأسابيع) في محيط بقع الخلاء المعروفة كساحات اشتباك، في الفترة من العصر إلى ما بعد المغرب. وتنسيق بين الأمن والسلطة المحلية لتنظيف البقع الفارغة وإزالة أكوام الحجارة والأنقاض التي تتحول إلى “ذخيرة” جاهزة.
والقيام بحملة تواصل مباشرة مع الأسر، استدعاء أولياء القاصرين الذين يتم ضبطهم، وتوقيع التزامات تربوية، لا الإكتفاء بإطلاق سراح القاصر دون متابعة.
وإنجاز على المدى المتوسط (أشهر) بإحصاء دقيق للمشاركين المتكررين، وتصنيفهم بين متورط عرضي ومحرض منظم، حتى لا يعامل الجميع بالطريقة نفسها. وإدماج المنقطعين عن الدراسة في برامج تكوين مهني ورياضة مؤطرة، بتنسيق بين المدرسة والتكوين المهني والجمعيات. وإحياء دور دار الشباب والجمعيات المحلية في الحي، ببرنامج مسائي حقيقي، لا بلوحة معلقة على باب مغلق.
والتحويل على المدى الطويل (سنة وأكثر) البقع الفارغة إلى فضاءات عمومية مضيئة ومؤطرة، ملعب قرب وحديقة وفضاء عائلي. وبرنامج تربوي في المدارس حول حل النزاع دون عنف، وإدارة الغضب، والمواطنة. وميثاق حي يوقعه المنتخبون والجمعيات والأئمة والمدارس والأسر، يحدد قواعد واضحة، لا حجارة، لا مقلاع، لا تصوير للعنف، وحماية المارة أولا.
الأمن وحده لا يستطيع أن يربي أبناء الحي
نعتذر عن عدم وجود حصيلة رسمية منشورة خاصة بحي الدرافيف وحده بعدد الجرحى أو الموقوفين أو الأضرار. ولا يوجد تأكيد طبي منشور لحالة الفتاة المصابة، خارج رواية محلية واحدة.
لا يمكن تأكيد أسماء أو أعمار المشاركين، ولا يجوز نشر صور القاصرين أو التشهير بهم. ولا يمكن الجزم بأن كل المقاطع المتداولة صورت في الدرافيف تحديدا، فبعضها موثق في الوفاق أو في أحياء مجاورة.
وعموما، التراشق بالحجر و”المكلاع” في حي الدرافيف ليس “لعب دراري” كما يريد البعض أن يصوره، ولا هو حرب أهلية كما تصوره بعض العناوين. إنه عرض لمرض أعمق، فراغ تربوي، وفراغ فضائي، وفراغ في التأطير، يملؤه الشارع بقوانينه الخاصة.
ومهما كثف الأمن حملاته، لا يستطيع وحده أن يربي أبناء الحي، ولا أن يعوض الأسرة والمدرسة والمنتخب والمجتمع المدني. يبدأ الحل الحقيقي عندما يتوقف كل طرف عن رمي المسؤولية على الآخر، كما يرمي هؤلاء الشباب الحجارة على بعضهم، ويتحمل كل واحد حصته، الأسرة تربي وتراقب والمدرسة تحتضن ولا تطرد والمنتخب يوفر الفضاء والبديل والمجتمع المدني يؤطر والأمن يحمي ويردع في الوقت نفسه.

