الوالي الذي لا يقرأ التقارير بل يختبرها في الميدان
لم يعد مكتب والي جهة الشرق، عامل عمالة وجدة أنجاد، امحمد عطفاوي، هو مركز القرار الوحيد في الإقليم. صار الشارع، والورش، والزقاق، والحي الشعبي، هي المكاتب الحقيقية التي تُصنع فيها القرارات، وتُختبر فيها التقارير، وتُكشف فيها الحقيقة بعيدا عن لغة الورق المُنمّقة.
عبد الرحيم باريج
باشر الوالي عطفاوي منذ تعيينه، دينامية ميدانية واسعة شملت تفقد عدد من الأوراش الجارية وعقد لقاءات مع مختلف الفاعلين المحليين، بهدف تعزيز حكامة القرب ومواصلة تنفيذ المشاريع التنموية المبرمجة على مستوى العاصمة الجهوية.
ليست زيارات بروتوكولية، ولا جولات مصوّرة للاستهلاك الإعلامي. هي خرجات ليلية ونهارية، غير معلن عنها مسبقا، تربك حسابات المشرفين على الأوراش، وتضع الجميع أمام مسؤوليته، إما الإنجاز في الآجال وبمعايير الجودة، أو مواجهة التعليمات الصارمة في عين المكان.
زيارة فاجأت الجميع
عصر أمس فقط، فاجأ الوالي عطفاوي مشرفين على أوراش التهيئة داخل مدينة وجدة، بعد زيارة مفاجئة وقف خلالها على مدى تقدم الأشغال، حيث وجّه تعليماته المباشرة والصارمة لتسريع وتيرة الإنجاز لإخراجها للساكنة.
وتأتي هذه الخطوة، في سياق سياسة القرب والمراقبة الميدانية التي ينهجها والي الجهة، حرصا على تنزيل المشاريع وفق الجدولة الزمنية المقررة، ووفق معايير الجودة المطلوبة.
وكان قبل ذلك بأسابيع، وتحديدا في 11 أكتوبر 2026، قد باشر أسبوعا كاملا من الزيارات الميدانية للأوراش المفتوحة، حيث وجه تعليمات صارمة للإسراع وعدم التهاون في تنزيلها. وكانت الرسالة واضحة للجميع، لا مجال للتهاون، ولا مجال للإختباء وراء التقارير.
والي لا يثق في الورق
اعتاد الكثيرون في الإدارة المغربية، أن تُكتب التقارير في المكاتب المكيّفة، وتُرفع إلى الوالي في ملفات أنيقة، وتُختم بـ”كل شيء على ما يرام”، لكن مع عطفاوي، انقلبت المعادلة، لأنه والي/عامل لا يهتم بالتقارير المكتوبة بقدر ما يهتم باختبارها في الميدان. يقول التقرير إن نسبة الإنجاز 80 في المائة؟ سينزل ليراها بعينه. يقول التقرير إن الأشغال تسير وفق الجدولة؟ سيأتي ليلا ليتأكد أن الورش لم يتوقف. يقول التقرير إن الجودة محترمة؟ سيقف على الحفرة، وعلى الرصيف، وعلى الشجرة، وعلى الإنارة، ويسأل المواطن قبل المسؤول.
هذا الأسلوب ليس جديدا على من عرفوا طريقة تدبيره. يعرف الرجل، بالتكوين والمسار، أن الورش لا يُقاس بالأرقام المكتوبة، بل بالحجرة الموضوعة في مكانها، وبالطريق المفتوحة أمام المواطن، وبالفضاء الأخضر الذي يراه الناس بأعينهم.
الصغيرة قبل الكبيرة
من أبرز ما يميز خرجات الوالي عطفاوي، أنه يراقب الصغيرة قبل الكبيرة. لا يمر مرور الكرام على التفاصيل التي يعتبرها البعض ثانوية، كنظافة الورش، احترام علامات التشوير، جودة التبليط، حماية الأشجار، انسيابية المرور للساكنة المجاورة، وحتى طريقة تعامل المقاولة مع العمال.
لأن التنمية، في نظره، ليست مشروعا ضخما يُدشّن بالشريط الأحمر فقط، بل هي تراكم تفاصيل صغيرة تصنع الحياة اليومية للمواطن الوجدي.
وترأس خلال الأيام الأخيرة سلسلة اجتماعات جمعت منتخبي جماعة وجدة وممثلي المصالح اللاممركزة والمجتمع المدني، لتدارس الإشكالات ذات الأولوية، لاسيما ما يتعلق بالبنية التحتية، في تأكيد على أن الميدان لا يغني عن الإنصات، وأن الإنصات لا يغني عن الميدان.
واحة سيدي يحيى.. النموذج
كان أحدث مثال على هذا الأسلوب، يوم الثلاثاء 3 نونبر الجاري، حين أشرف الوالي عطفاوي على إعطاء الإنطلاقة الرسمية لمشروع تهيئة وإعادة تأهيل واحة سيدي يحيى بمدينة وجدة، في مشروع بغلاف مالي إجمالي يناهز 30 مليون درهم، يهدف إلى تحويل الواحة إلى فضاء بيئي وترفيهي ورياضي يستجيب لتطلعات الساكنة والزوار، على أن يكون جاهزا في حلته الجديدة بحلول شهر نونبر من عام 2027.
لم يكتف الوالي بإعطاء الإنطلاقة من المنصة، بل نزل إلى الواحة، ومشى بين الأشجار، واستمع للعمال والمواطنين، في مشهد وثقته مقاطع متداولة على مواقع التواصل، أظهرت تفاعلا مباشرا وإنصاتا لانشغالات العاملين بعين المكان.
الساكنة تنتظر والميدان سيحكم
نعم، الدينامية الميدانية للوالي عطفاوي حقيقية، وملموسة، ويشهد بها حتى منتقدو الإدارة. ونعم، سياسة الزيارات المفاجئة أعادت الهيبة للمراقبة، وأعادت الثقة لكثير من الوجديين الذين كانوا يرون أن المشاريع تُدشّن ولا تُنجز.
لكن في المقابل، لا تزال أصوات أخرى في وجدة ترفع مطالب مشروعة، كحافلات النقل الحضري، والتشغيل، و…و..وهي مطالب عبّرت عنها تعليقات مواطنين على منشورات تتعلق بخرجات الوالي، حيث طالب البعض بالتركيز على النقل والشغل والبنية التحتية الأساسية، إلى جانب مشاريع التجميل والفضاءات الخضراء.
ويكمن هنا الإمتحان الحقيقي للوالي الميداني، أن تتحول الزيارات المفاجئة إلى نتائج دائمة، وأن تتحول التعليمات الصارمة إلى أوراش منجزة في آجالها، وأن تتحول واحة سيدي يحيى إلى بداية، لا إلى استثناء.
في وجدة اليوم، هناك والي لا ينتظر التقارير في مكتبه، بل يخرج ليلا ونهارا ليتحقق منها بنفسه. والي يراقب الصغير قبل الكبير، ويؤمن أن الإدارة الحقيقية تُبنى في الميدان، لا في الأوراق. إن استمر على هذا النهج، واستمر المقاولون والمنتخبون والإدارات في الإحساس بأن الوالي قد يظهر في أي لحظة، وفي أي ورش، فإن وجدة ستكون أمام مرحلة جديدة، مرحلة لا يُكافأ فيها من يُحسن الكتابة بل من يُحسن الإنجاز. والساكنة تنتظر والميدان سيحكم.

