الصَّحَفِيُّ وَالْكَاتِبُ اللَّيبِيُّ “فَرَجُ الْمِصْرَاتِي”: “اطْمَئِنُّوا! لِيبْيَا لَيْسَتْ وِلَايَةً جَزَائِرِيَّةً”… أَزْمَةُ الْجِوَارِ وَسُلُوكُ الْهَيْمَنَةِ الْجَزَائِرِيُّ… حِينَ تَخْتَلِطُ أَوْرَاقُ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ فِي الْجُغْرَافْيَا اللَّيبِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
في مقال للصحفي والكاتب الليبي “فرج المصراتي” تحت عنوان “اطمئنوا! ليبيا ليست ولاية جزائرية”، لقن فيه درسا للنظام العسكري الجزائري حول تدخله في الشؤون الداخلية لليبيا، عبر فيه عن رفضه الشديد لنزعة “الوصاية” التي يمارسها بعض المحللين والدوائر السياسية والإعلامية في الجزائر تجاه ليبيا، وكأنها ولاية تابعة ينبغي لها أخذ الإذن العسكري أو السياسي قبل تحركاتها الإقليمية والدولية.
كما أشار إلى دوافع الاستنفار الجزائري المتمثلة في انزعاج الجزائر من الانفتاح الدبلوماسي والأمني لشرق ليبيا (عبر تحركات الفريقين صدام وخالد حفتر) نحو دول مثل النيجر، فرنسا، والمغرب (خاصة زيارة المغرب واجتماع المخابرات المشترك)، واعتبروها مساساً بأمنها القومي.
وشدد على ازدواجية المعايير التي ينهجها النظام الجزائري حيث يسمح لنفسه بممارسة حقه في نسج الشراكات وبناء التحالفات كيفما شاء، بينما يعترض وينتقد عندما تقوم بنغازي بالمثل.
وخلص إلى أن شعار “خاو خاو” والأخوة الحقيقية لا يعني التبعية وتحديد وجهات ليبيا؛ فزمن الوصاية ولى، وليبيا تعرف طريق مصالحها جيداً.
يبدو أن أروقة صنع القرار والدوائر الإعلامية التابعة للنظام الحاكم في الجزائر بحاجة ماسة إلى مراجعة جغرافية وسياسية لخريطة المنطقة. فمنذ سنوات، يتعامل هذا النظام مع ملفات الجوار بمنطق “الحديقة الخلفية” أو الوصاية الإلزامية، وكأن الدول المجاورة – وفي مقدمتها ليبيا – عبارة عن مقاطعات تابعة يجب أن تستأذن العاصمة الجزائرية قبل أن تحرك ساكناً أو تنسج تحالفات إقليمية.
سلوك استعماري مقنع بشعارات “الأخوة”
على مدى الأعوام الأخيرة، لفت الانتباه ذلك الاستنفار الإعلامي والسياسي الجزائري غير المبرر كلما قامت قيادات إقليمية في ليبيا (خصوصاً في الشرق الليبي) بتحركات طبيعية تمليها المصلحة الوطنية؛ كتعزيز أواصر التعاون الأمني مع النيجر، أو الانفتاح الدبلوماسي على باريس، أو حتى بناء قنوات تواصل استراتيجية مع الرباط.
المفارقة المضحكة المبكية أن النظام الجزائري يعتبر تواصله مع مختلف الأطراف الليبية “حقاً سيادياً”، بينما يحوّل أي تواصل لليبيين مع شركاء آخرين إلى “جريمة أمنية” تهدد الأمن القومي الجزائري! وكأن المطلوب ليبياً هو الانخراط في معادلة “أخوة اتجاه واحد”: ليبيا تصفق لقرارات الجزائر، والجزائر تملي على ليبيا من تحارب ومن تصادق.
عقدة الخوف من المغرب والساحل
إن التحركات الأخيرة التي قادها قادة عسكريون ليبيون نحو المغرب (بما فيها التنسيق الأمني والمخابراتي المشترك)، فضلاً عن الحضور الليبي الفاعل في عمق دول الساحل الإفريقي كالنيجر، قد أصابت حسابات النظام الجزائري بمقتل.
هذا النظام، الذي يبني شرعيته السياسية والمجتمعية على صناعة “العدو الخارجي” وتضخيم هواجس التطويق الإقليمي (خصوصاً فيما يتعلق بالمنافسة مع المغرب)، يرفض ببساطة أن يرى جارته الشرقية تتعافى وتستقل بقرارها الجيوسياسي بمعزل عن عباءته.
أين تكمن المعضلة الحقيقية؟
المشكلة لا تكمن في الروابط التاريخية أو الأخوية العميقة بين الشعبين الجزائري والليبي؛ فهذه أواصر مقدسة راسخة لا تهزها نزوات السياسيين.
المعضلة الحقيقية تكمن في طبيعة النظام العسكري الجزائري الذي يدير الدولة بمنطق الثكنة الأمنية، العاجز كلياً عن استيعاب مفهوم “الدول الندية”.
فهو يريد جيراناً ضعفاء، منقسمين، وخاضعين لدفتر شروطه الأمنية. وحين تختار ليبيا – بكل ما تعانيه من مخاضات – أن تبحث عن مصالحها السيادية بلا وصاية، يرتفع صياح الأبواق الإعلامية لتردد أسطوانة التهديد للأمن القومي.
رسالة أخيرة: زمن الوصاية انتهى
لقد لخص الصحفي الليبي فرج المصراتي الحقيقة بجرأة حين قال: “اطمئنوا.. ليبيا تعرف طريقها، ولا تحتاج إلى إذن من أحد لتحديد وجهتها.” إن ضبط النفس الذي تمارسه قيادات ليبية كثيرة تجاه الاستفزازات الإعلامية والسياسية الجزائرية، مراعاةً للأخوة الشعبية، يجب ألا يُفهم على أنه ضعف أو استعداد للتنازل عن السيادة.
على النظام في الجزائر أن يدرك أن الزمن قد تغير، وأن عصر الوصاية والاملاءات قد اندثر بلا رجعة. فإما أن يتعامل مع جيرانه بندية واحترام متبادل لمنطق المصالح المشتركة، أو يستمر في سياسة العزلة وتصدير الأزمات التي لن تزيد حدوده إلا اشتعالاً.

