الغلاء في جهة الشرق أو حين تتحول أسواق الجملة إلى مصانع للفقر 

الغلاء في جهة الشرق أو حين تتحول أسواق الجملة إلى مصانع للفقر 

تحقيق اقتصادي بالأرقام من وجدة إلى بوعرفة

ع.ر.ب

ليس الجفاف وحده من يرفع سعر الطماطم في سوق لازاري بوجدة إلى 15 درهما، ولا قلة الإنتاج وحدها من تجعل البطاطس في بوعرفة تباع بـ 9 دراهم بينما لا تتجاوز 3 دراهم في سوق الجملة بوجدة. الحقيقة التي كشفها تحقيقنا الميداني وتحليل بيانات المندوبية السامية للتخطيط ومجلس المنافسة، هي أن جهة الشرق تعيش أزمة توزيع قبل أن تكون أزمة إنتاج.

من كل 10 دراهم يدفعها المستهلك في الجهة، لا يصل إلى الفلاح سوى 3 دراهم. الباقي يقتسمه وسطاء لا يضيفون قيمة.

السعر المرجعي الذي لا يصل للجميع

تبدو الأرقام معقولة للوهلة الأولى في سوق الجملة   بوجدة، قلب الجهة النابض الذي يستقبل يوميا حوالي 350 طنا. تتداول الطماطم المستديرة بين 3 و 9 دراهم للكيلوغرام، وهو نفس المجال المسجل في سوق الجملة بالدار البيضاء نهاية أكتوبر 2026. وتتراوح البطاطس بين 4 و 5,5 دراهم، والبصل مستقر عند 2,8 درهم للكيلوغرام. ويتراوح سعر الضيعة عند الفلاح نفسه بين 8,5 و 10 دراهم للطماطم ذات الجودة الممتازة، لكن هذه هي أثمنة الجملة فقط. ويبدأ العدّاد في الإرتفاع ما إن تغادر الشاحنة وجدة، ففي سوق أركمان بإقليم الناظور على بعد 180 كلم، تقفز الطماطم إلى ما بين 14 و 15 درهما. وتصل في تاوريرت وجرادة إلى ما بين 12 و 14 درهما. وتصل في بوعرفة، عاصمة إقليم فجيج المعزولة إلى 16 درهما، أي بزيادة 60 في المائة مقارنة بوجدة لنفس المنتوج ونفس اليوم.

وتظهر المفارقة في بيانات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ مؤشر الأسعار عند الإستهلاك بوجدة 120,7 نقطة في أبريل 2026 بارتفاع سنوي 2,0 في المائة، مدفوع أساسا بارتفاع الخضر بـ 10,9 في المائة واللحوم بـ 2,7 في المائة. وبلغت نفقات الإستهلاك للفرد في الجهة 27.805 درهم في عام 2024، متجاوزة المتوسط الوطني البالغ 25.664 درهم. وتستهلك الجهة إذن أكثر ليس لأنها أغنى، بل لأنها تدفع ثمن الغلاء.

خريطة الغلاء في ثمانية أقاليم

قمنا بجرد أثمنة التقسيط المسجلة رسميا عبر عدة منصة ومواقع إخبارية جهوية، وميدانيا عبر جولات خلال 2025-2026. وكشفت النتيجة جهة تسير بسرعتين مختلفتين.

يضم القطب الأول، المنخفض التكلفة، وجدة-أنجاد وبركان يستفيد من قرب الإنتاج. تتراوح في وجدة البطاطس بين 3 و 6 دراهم، والطماطم بين 7 و 10 دراهم، والبصل بين 5 و 8 دراهم، والفلفل بين 8 و 12 درهما، ولحم البقر بين 70 و 75 درهما، والسردين بين 13 و 19 درهما. وتعرض بركان، سلة الحوامض، الطماطم بـ 10 إلى 13 درهما بفضل الإنتاج المحلي، والبطاطس بـ 5 إلى 6 دراهم، ولحم البقر بنفس سعر وجدة، وسعر الدجاج الأبيض وصل إلى 26 درهما عام 2026.

يضم القطب الثاني، المتوسط المرتفع،الدريوش وجرسيف والناظور التي سُجل تحديدا سوق أركمان الأسبوعي، البطاطس بين 6 و 7 دراهم، والطماطم قفزت إلى 14-15 درهما، والبصل استقر عند 7 دراهم، والفلفل عند 10 دراهم، بينما بلغ لحم البقر 120 درهما، أي ضعف سعر وجدة. والسبب كما يوضح رئيس الفيدرالية البيمهنية للخضر والفواكه FIFEL، زكرياء حنيش “المنتوج يغادر إنزكان بـ 4 دراهم، يمر عبر البيضاء، ثم يباع في الرباط والناظور بضعف أو ثلاثة أضعاف”. ويعني كل دخول لسوق جملة ضريبة 7,24 الغلاء في جهة الشرق أو حين تتحول أسواق الجملة إلى مصانع للفقر.

ويضم القطب الثالث، المرتفع، جرادة وتاوريرت وفجيج-بوعرفة، وتتجلى هنا الفوارق المجالية الحادة. تباع في جرادة، حيث يبلغ الفقر متعدد الأبعاد 19,2 في المائة بالوسط القروي، البطاطس بـ 6 إلى 8 دراهم، والطماطم بـ 12 إلى 14 درهما، والبصل بـ 8 إلى 10 دراهم، ولحم البقر بـ 80 إلى 85 درهما. وتسجل تاوريرت، بفقر قروي يصل إلى 23 في المائة، نفس المستويات تقريبا مع لحم بقر بين 75 و 85 درهما وسردين بين 17 و 21 درهما. ويُعتبر بوعرفة-فجيج، الأغلى على الإطلاق. تبلغ البطاطس بين 7 و 9 دراهم، والطماطم بين 13 و 16 درهما، والبصل بين 9 و 12 درهما، والفلفل بين 12 و 16 درهما، ولحم البقر بين 85 و 95 درهما، والسردين بين 22 و 28 درهما.

لماذا هذا التفاوت؟، لأن فجيج تسجل أعلى معدل فقر في الجهة: 24,1 في المائة إجمالا، و 43,6 في المائة في قراها، مع عزلة جغرافية تبلغ 400 كلم عن وجدة، وقلة المنافسة، وتعدد الوسطاء.

الوسطاء.. من يأخذ ماذا؟

هنا مربط الفرس، حيث قدر مجلس المنافسة، في رأيه رقم A/2/24 الصادر في أبريل 2024، أن هوامش الوسطاء تمثل في المتوسط 34 في المائة من السعر النهائي مقابل 30 في المائة فقط للمنتج. وتصل في بعض السلاسل حصة الوسطاء إلى 60 وحتى 80 في المائة من السعر النهائي. وأكد الناطق الرسمي للحكومة سمير بلفقيه في 5 نونبر 2026 أن هوامش الوساطة تصل في بعض المواد إلى 70 في المائة من كلفتها.

يبيع الفلاح حسب تتبعنا لسلسلة الطماطم، في سوس بـ 4 دراهم أو 8,5 إلى 10 دراهم للجودة الممتازة. ويأتي الوكيل المعتمد بسوق الجملة الذي يقتطع 7,24 في المائة من قيمة السلعة، منها 6 في المائة تذهب للجماعة و 1,24 في المائة لنفسه، بينها 0,24 في المائة تعتبر TVA غير قانونية حسب مهنيي السوق. يتدخل بعد ذلك تاجر الجملة الكبير الذي ينقل إلى وجدة بهامش يتراوح بين 30 و 50 في المائة يبرره بتكاليف النقل والهدر، حيث تتلف 10 إلى 15 في المائة من الخضر سريعة التلف. ويأتي نصف الجملة الإقليمي في الناظور أو تاوريرت بهامش آخر يصل إلى 30 في المائة، وأخيرا بائع التقسيط بهامشه الأخير.

كانت النتيجة العملية أن صندوق طماطم وزنه 30 كلغ يشترى بـ 250 درهم، أي 8,33 درهم للكيلوغرام في إنزكان، تباع بـ 17 إلى 18 درهما للمستهلك في وجدة.

وينطبق نفس المنطق على باقي المواد، يغادر السردين ميناء بني أنصار بـ 6 دراهم، يصل سوق الجملة بوجدة بـ 13 إلى 19 درهما، أي أن 60 في المائة من سعره تذهب للوسطاء. ويمر اللحم عبر أربعة متدخلين وهم الكساب والشناق والمجزرة والجزار، بنسبة 40 إلى 45 في المائة للوسطاء، والدجاج أكثر تنظيما وسعره جملة 23 درهما وتقسيط 25 إلى 26 درهما، أي بهامش أقل يقدر بـ 28 في المائة.

فقراء يدفعون أكثر

وجدنا مفارقة مؤلمة، الأقاليم الأكثر فقرا هي التي تدفع أكثر. تُسجل حسب خريطة الفقر متعدد الأبعاد لعام 2024، وجدة-أنجاد 3,7 في المائة فقر، وهي أقل من المعدل الوطني البالغ 6,8 في المائة، وبركان 6,2 في المائة، بينما فجيج 24,1 في المائة. ويدفع رغم ذلك، سكان ضعف ما يدفعه سكان وجدة لنفس السلة الغذائية.

ويساهم حسب نفس الخريطة، التعليم بنسبة 49,1 في المائة في الفقر، والصحة بنسبة 30,3 في المائة. أي أن الأسر التي لا تستطيع تعليم أبنائها، هي نفسها التي تدفع أكثر لتأكل.

هل ينقذ إصلاح 2027 الجهة؟

وعدت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري في برنامجها 2026-2031 بإنشاء 6 شركات جهوية لتجميع وتسويق المنتجات، واحدة منها في الشرق وتحديدا في سهل تافوغالت-بركان، مع رقمنة 38 سوق جملة وطني يمرر 3,5 مليون طن سنويا، وفصل الضريبة عن المرور الإجباري عبر السوق.

ورحبت الفيدرالية البيمهنية FIFEL بالمشروع، لكنها اشترطت إشراك الفلاحين في تصميمه. وحذر مجلس المنافسة قائلا “بدون بيانات قابلة للتحقق، النظام الرقمي يصبح مجرد أداة إدارية”.

والإختبار الحقيقي ليس في النصوص، بل في سوق السبت بوجدة، وسوق الخميس بزايو، وسوق بوعرفة. هل سينخفض فارق 4 دراهم عند الفيرمة إلى 18 درهما عند المستهلك؟ أم سيبقى المواطن في جهة الشرق، التي تنفق 27.805 درهم للفرد سنويا، يمول حلقات وسيطة لا تضيف قيمة؟، وستكون الإجابة في قفة التسوق، وليس في التقارير.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *