حَقِيقَةُ دَعْوَةِ أَكْثَرَ مِنْ 30 دَوْلَةً مُوَاطِنِيهَا لِتَخْزِينِ الْغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ.. وَالْمَغْرِبُ يَعْتَزُّ بِخُطَّتِهِ الِاسْتِبَاقِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ: مِنْ صَنَادِيقِ الْأَزَمَاتِ إِلَى “بَنْكِ الْمَشَارِيعِ” وَالْأَمْنَيْنِ الْمَائِيِّ وَالطَّاقِيِّ..
عبدالقادر كتـــرة
أثارت التقارير الإخبارية المتداولة على نطاق واسع مؤخراً موجة من القلق والتساؤلات، بعد إقدام أكثر من ثلاثين دولة، في مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي واليابان، على توجيه دعوات رسمية لمواطنيها بتخزين المياه والمواد الغذائية والأدوية الأساسية لما يكفي بين 72 ساعة وأسبوع كامل.
وبينما قرأ البعض في هذه التوجيهات نذير أزمة عالمية وشيكة، تساءل الشارع المغربي عن حقيقة هذه التحركات، وعن موقع المملكة واستراتيجيتها في تأمين احتياجات مواطنيها وحماية اقتصادها من أي ارتدادات مفاجئة.
حقيقة الخبر المتداول: هل يقف العالم على حافة كارثة؟
لفهم ما يجري دون تهويل، تجب قراءة هذه الدعوات في سياقها الحقيقي؛ فالتوجيهات التي تبنتها المفوضية الأوروبية (المستلهمة من النموذج الإسكندنافي وتقرير “نينيستو” حول الجاهزية المدنية) وما تطبقه اليابان منذ عقود، لا تعني بالضرورة وجود حرب عالمية غداً أو كارثة محددة الموعد. بل هي ببساطة انتقال من “إدارة الأزمة بعد وقوعها” إلى “ثقافة الاستعداد المدني”.
تدرك الدول الصناعية الكبرى أن حياتها اليومية باتت شديدة الارتهان للشبكات الرقمية والكهربائية المعقدة.
ففي حال وقوع هجوم سيبراني يشل أنظمة الدفع البنكي وسلاسل التوريد، أو حدوث فيضانات خاطفة وانقطاعات كهربائية كبرى، تحتاج أجهزة الدولة إلى “72 ساعة ذهبية” لإعادة تشغيل البنية التحتية وإنقاذ الحالات الحرجة، دون أن تضطر في اليوم الأول لانشغال جيوشها وفرق إغاثتها بتوزيع قنينات الماء وأرغفة الخبز على ملايين السكان.
لماذا لم يطلب المغرب من مواطنيه تخزين المؤونة؟
إذا كان “التخزين الفردي” حلاً ناجعاً في طوكيو أو ستوكهولم، فإن استنساخه في السياق المغربي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً. لقد أظهرت التجارب السابقة، لا سيما في الأيام الأولى لجائحة “كوفيد-19″، أن أي إشارة رسمية توحي للمواطن بضرورة تخزين السلع تتحول فوراً إلى تهافت استهلاكي (Panic Buying)، يتبعه اختفاء للمواد الأساسية من الرفوف، ونشاط محموم للمضاربين وتجار الأزمات، مما يضرب القدرة الشرائية للفئات الهشة.
لذلك، اختار المغرب عقيدة استراتيجية
مغايرة تماماً تقوم على مبدأ “تحوّط الدولة بدلاً من هلع الأفراد”.
وتتلخص هذه المقاربة في أن تتحمل المؤسسات العمومية والصناديق السيادية عبء بناء المخزونات الاستراتيجية الكلية في الخلفية، وضمان تدفق السلع في الأسواق بشكل طبيعي، بحيث لا يشعر المواطن بانقطاع الإمدادات حتى في ذروة الصدمات العالمية.
هندسة مالية استباقية: صناديق تشتغل قبل وقوع الأزمة
لم ينتظر المغرب توالي الأزمات الدولية ليبني جداره المالي، بل انتقل من منطق “ميزانيات الطوارئ الظرفية” إلى مأسسة تدبير المخاطر عبر ثلاث ركائز مالية كبرى:
1- منظومة التضامن ضد الوقائع الكارثية: عبر إحداث “صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية” (FSEC) بالتوازي مع نظام التأمين الإجباري، أرسى المغرب آلية تضمن تعويض المتضررين من الزلازل والفيضانات والكوارث، سواء كانوا يتوفرون على عقود تأمين خاصة أو من الفئات غير المؤمَّنة، مما يمنح الأسر المتضررة شبكة أمان مالي فورية لاستعادة مساكنها.
2- صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية: تحول هذا الصندوق من مجرد أداة لجبر الضرر بعد وقوع الكارثة إلى ممول رئيسي للوقاية الاستباقية، حيث ضخ مليارات الدراهم في مئات المشاريع الميدانية لحماية المدن والقرى من الفيضانات وتثبيت البنيات التحتية الهشة.
3- صندوق محمد السادس للاستثمار: يمثل الذراع السيادي للاقتصاد المرن؛ إذ يتدخل لدعم المقاولات الوطنية وتمويل المشاريع الكبرى في الفلاحة والصناعة والسيادة الصحية، بما يمنح الاقتصاد الوطني قدرة عالية على امتصاص الصدمات الخارجية.
الاكتفاء الذاتي الذكي: من “بنك المشاريع” إلى السيادة الدوائية والغذائية
أدرك المغرب مبكراً أن الاستقرار المالي وحده لا يكفي إذا كانت الموانئ مغلقة أو سلاسل الإمداد العالمية مشلولة. ومن رحم جائحة كورونا، وُلدت استراتيجية وطنية لتوطين الإنتاج وتقليص الارتهان للخارج:
– بنك المشاريع الصناعية: أطلقت المملكة هذه الآلية لتشجيع المستثمرين المغاربة على تصنيع ما كان يتم استيراده من الخارج. وقد نجحت مئات المشاريع الصناعية المحلية في تعويض واردات بمليارات الدراهم، خاصة في الصناعات الغذائية، النسيج، والصناعات الكيميائية وشبه الطبية.
– السيادة الصحية والدوائية: تحول المغرب من بلد ينتظر حصته من اللقاحات في السوق الدولية إلى قطب بيوتكنولوجي قاري، متوجاً هذا المسار بمركب “ماربيو” (Marbio) في بنسليمان لتصنيع اللقاحات والأدوية الحيوية، إلى جانب تغطية المصانع الدوائية الوطنية لجزء كبير من حاجيات السوق المحلي.
– المنصات الجهوية للمخزون الاستراتيجي: تنفيذاً للتوجيهات الملكية الداعية لتعزيز الاحتياطي الوطني من المواد الأساسية (الغذائية والصحية والطاقية)، شرع المغرب في إرساء منصات لوجستية جهوية لتخزين الحبوب والمواد الأساسية، بما يضمن عدالة التوزيع الترابي وسرعة التدخل في أي جهة تتعرض لعزلة طبيعية أو ظرفية.
معركة الماء والطاقة: فك الارتباط بتقلبات السماء والأسواق
لا يمكن الحديث عن أمن قومي أو استقرار غذائي دون تأمين شريانَي الحياة: الماء والطاقة.
ففي مواجهة توالي سنوات الجفاف الحاد، لم يقف المغرب مكتوف الأيدي، بل أطلق أوراشاً مهيكلة غير مسبوقة في تاريخه الحديث:
– الطرق السيارة المائية وتحلية البحر: نجحت المملكة في إنجاز مشروع الربط المائي بين حوضَي سبو وأبي رقراق في وقت قياسي لإنقاذ محور الرباط-الدار البيضاء من العطش، وتواصل اليوم تعميم محطات تحلية مياه البحر في مختلف الواجهات الساحلية لبلوغ قدرة إنتاجية تناهز 1.8 مليار متر مكعب في أفق 2031، مما سيؤمّن أكثر من نصف حاجيات المغاربة من الماء الشروب، فضلاً عن ري مساحات فلاحية واسعة لضمان استقرار سلة الغذاء الوطنية.
– الاستقلالية الطاقية: لأن تشغيل محطات تحلية المياه والمصانع يتطلب طاقة هائلة، يراهن المغرب على تشغيل هذه المنشآت بالاعتماد على الطاقات المتجددة (الشمسية والريحية) ومشاريع الهيدروجين الأخضر، موازاة مع تطوير البنية التحتية للغاز الطبيعي، وذلك لحماية الفاتورة الطاقية للمملكة من تقلبات أسعار النفط والغاز في البورصات العالمية.
نحو تكامل بين “جاهزية الدولة” و”وعي المواطن”
إن ما تقوم به الدول الأوروبية والآسيويـة اليوم من دعوة مواطنيها لتخزين مؤونة ثلاثة أيام لا ينبغي أن يُقرأ في المغرب من زاوية الخوف، بل من زاوية الاعتزاز بكون المملكة قد دشنت معركة السيادة والاستباقية منذ سنوات عبر مؤسساتها وصناديقها وأوراشها الكبرى.
غير أن نجاح هذا الدرع المؤسساتي المغربي يظل في حاجة إلى حلقة مكملة لا تقل أهمية: بناء ثقافة الوعي بالمخاطر لدى المواطن. والمطلوب هنا ليس التهافت على المتاجر وتخزين الدقيق والزيت، بل ترسيخ سلوكيات المواطنة المسؤولة في ترشيد استهلاك الماء والطاقة، والتعلم المنهجي لقواعد السلامة والإسعافات الأولية، والوثوق في الآليات الوطنية التي أثبتت في أوقات الشدة—من الجائحة إلى زلزال الحوز وفيضانات الجنوب الشرقي—أن المغرب يمتلك إرادة الدولة القوية واقتصاداً مرناً قادراً على تحويل المحن إلى فرص للنهوض والاعتماد على الذات.

