طَوْقُ الْكُونْغْرِسِ يَشْتَدُّ وَ21 نَائِبًا أَمْرِيكِيًّا يُحَاصِرُونَ الْبُولِيسَارْيُو:بِدَعْمٍ مِنَ الْحِزْبَيْنِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ وَالْجُمْهُورِيِّ، تَحَرُّكٌ مُتَسَارِعٌ فِي وَاشِنْطُنَ لِتَصْنِيفِ “الْبُولِيسَارْيُو” مُنَظَّمَةً إِرْهَابِيَّةً

طَوْقُ الْكُونْغْرِسِ يَشْتَدُّ وَ21 نَائِبًا أَمْرِيكِيًّا يُحَاصِرُونَ الْبُولِيسَارْيُو:بِدَعْمٍ مِنَ الْحِزْبَيْنِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ وَالْجُمْهُورِيِّ، تَحَرُّكٌ مُتَسَارِعٌ فِي وَاشِنْطُنَ لِتَصْنِيفِ “الْبُولِيسَارْيُو” مُنَظَّمَةً إِرْهَابِيَّةً
عبدالقادر كتـــرة

في أروقة “الكابيتول هيل” بالعاصمة الأمريكية واشنطن، لم تعد قضية جبهة “البوليساريو” تُقرأ كملف نزاع إقليمي تقليدي في شمال إفريقيا، بل تحولت إلى قضية أمن قومي أمريكي بامتياز.
فمع انضمام دفعة جديدة من المشرعين الأمريكيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لدعم مشروع القانون رقم (H.R. 9982)، ليرتفع عدد الموقعين عليه إلى 21 نائباً، تدخل الجبهة الانفصالية ومن خلفها حاضنتها السياسية والعسكرية في الجزائر، نفقاً قانونياً ودبلوماسياً غير مسبوق.
هذا الزخم التشريعي المتصاعد لا يمثل مجرد مبادرة معزولة، بل يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية لواشنطن تجاه منطقة الساحل والصحراء، حيث باتت المؤسسة التشريعية الأمريكية تنظر إلى مخيمات تندوف كبؤرة رخوة تهدد بتمدد النفوذ الإيراني وشبكات التطرف العابر للحدود في القارة السمراء.
إجماع حزبي يكسر الحسابات التقليدية
أهمية مشروع القانون (H.R. 9982) تكمن في هويته السياسية؛ فهو مبادرة يقودها النائب الديمقراطي البارز “جوش غوتهايمر”، وتحظى بدعم متوازن من نواب الحزبين.
هذا التوافق الثنائي يسقط الذرائع التي طالما روجت لها دوائر قريبة من الجزائر بأن العداء للبوليساريو في واشنطن يقتصر على تيار محافظ داخل الحزب الجمهوري.
والواقع أن هذا المشروع يشكل الضلع الثالث لما يمكن تسميته بـ “الطوق التشريعي الثلاثي” داخل الكونغرس بفرعيه؛ إذ يتكامل مع مشروع القانون (H.R. 4119) الذي قدمه النائبان “جو ويلسون: و”جيمي بانيتا” لمحاسبة الجبهة على خرق وقف إطلاق النار واستهداف المدنيين، ومع مشروع القانون التوأم في مجلس الشيوخ (S. 4063) الذي يقوده السيناتور تيد كروز وتوم كوتون.
الرسالة الخارجة من غرفتي الكونغرس واضحة: هناك توافق مؤسسي أمريكي على أن التساهل مع الحركات المسلحة التي تتحالف مع خصوم واشنطن قد انتهى.
“الخط الإيراني”.. الشرارة التي حركت المشرعين
يركز مشروع القانون الجديد على نقطة شديدة الحساسية في واشنطن، وهي العلاقة العملياتية والتسليحية بين البوليساريو و”الكيانات الإيرانية”، وتحديداً الحرس الثوري الإيراني وحزب الله.
وبموجب نص المشروع، تُلزم وزارة الخارجية الأمريكية بتقديم تقرير استخباراتي مفصل إلى الكونغرس في غضون 90 يوماً، يفحص بأثر رجعي يمتد لعشر سنوات خمسة مجالات دقيقة للتعاون، تشمل:
– تزويد الجبهة بالطائرات المسيرة (الدرونز) أو قطع غيارها.
– توفير أنظمة التسليح الفردية والثقيلة وأنظمة الدفاع الجوي.
– الدعم المالي واللوجستي وتبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية.
الخطورة القانونية في هذا النص تكمن في “أتمتة العقوبات”؛ فبمجرد إثبات التقرير لوجود أي تعاون في هذه المجالات، يصبح لزاماً على الرئيس الأمريكي خلال 30 يوماً فقط إدراج البوليساريو رسمياً على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية (FTO)، وتفعيل الأمر التنفيذي رقم 13224 القاضي بتجميد الأصول وحظر أي تعامل مالي أو مادي معها.
تداعيات وجودية: “الإعدام السياسي” للبوليساريو
إذا ما اكتمل هذا المسار التشريعي، فإن جبهة البوليساريو لن تواجه مجرد تضييق مالي، بل ستكون أمام شلل تام ينهي وجودها كفاعل سياسي:
1- نهاية المسار التفاوضي: يستحيل قانونياً ودبلوماسياً على أي مبعوث أممي أو مسؤول غربي الجلوس على طاولة مفاوضات مع كيان مصنف فيدرالياً في الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية، مما يسقط عنها صفة “الطرف السياسي” في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
2- تجفيف الشبكات الأوروبية: تعتمد الجبهة في دعايتها وتمويلها على شبكة من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في أوروبا وأمريكا اللاتينية. ومع تفعيل العقوبات الأمريكية العابرة للحدود، ستسارع هذه الجمعيات والبنوك التي تتعامل معها إلى قطع أي صلة بالبوليساريو خوفاً من الوقوع تحت طائلة عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية.
3- الملاحقة الجنائية للقيادات: سيتحول قادة الجبهة من حاملين لجوازات سفر دبلوماسية جزائرية يجوبون العواصم، إلى مطلوبين دوليين يخضعون لحظر السفر وتجميد الأرصدة.
الجزائر في قلب العاصفة: شبح العقوبات المزدوجة
لا يمكن قراءة هذا التحرك الأمريكي بمعزل عن ارتداداته المباشرة على الجزائر، باعتبارها الدولة المضيفة والداعم المالي والعسكري واللوجستي الأول للبوليساريو.
فالقانون الفيدرالي الأمريكي واضح وصارم: تقديم “الدعم المادي أو الملاذ الآمن” لمنظمة مصنفة كإرهابية (FTO) يعرض الجهة الداعمة لعقوبات ثانوية قاسية .
هذا الوضع يضع صناع القرار في الجزائر أمام مأزق استراتيجي مزدوج:
– أولاً: استمرار احتضان قيادة الجبهة المسلحة في تندوف وتزويدها بالسلاح والغطاء الدبلوماسي سيجعل مؤسسات وشخصيات رسمية جزائرية في مرمى نيران الخزانة الأمريكية بشكل مباشر.
– ثانياً: يتقاطع هذا الملف بشكل خطير مع دعوات متصاعدة في الكونغرس لتفعيل قانون “مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات” (CAATSA) ضد الجزائر، بسبب صفقات السلاح الضخمة مع روسيا، والاصطفاف الدبلوماسي الأخير مع موسكو في مجلس الأمن لعرقلة القرارات الداعمة للحل السياسي في الصحراء المغربية.
خلاصة المشهد، إن اتساع دائرة الموقعين على مشروع القانون (H.R. 9982) يؤكد أن الساعة الرملية في واشنطن قد قُلبت بالفعل. لم يعد بإمكان جبهة البوليساريو اللعب على حبل “المظلومية السياسية” في النهار، والتنسيق مع أذرع طهران وشبكات الفوضى في الساحل ليلاً.
وبالنسبة للجزائر، فإن التكلفة الاستراتيجية للاستمرار في رعاية مشروع انفصالي مسلح باتت تهدد أمنها الاقتصادي ومكانتها الدولية في الصميم؛ مما يضعها أمام خيار وحيد لتفادي الصدام مع واشنطن: رفع اليد عن الجبهة، والانخراط الواقعي في الحل السياسي النهائي تحت سقف مبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي باتت تحظى بإجماع دولي وأمريكي لا رجعة فيه.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *