حِينَ يَنْطِقُ التَّارِيخُ وَيَشْهَدُ الْأَقْرَانُ: مِنَ الْحَسَنِ الْوَزَّانِ (1526م) إِلَى مَالِكِ شِبِلْ…هَكَذَا تَهَاوَتْ أَسَاطِيرُ السَّطْوِ عَلَى الْمَطْبَخِ الْمَغْرِبِيِّ
عبدالقادر كتـــرة
في زمن السيولة الرقمية ومحاولات إعادة كتابة التاريخ على منصات التواصل الاجتماعي، تحوّل التراث اللامادي في شمال إفريقيا من مجال للتلاقي الحضاري إلى ساحة لمحاولات السطو والاستحواذ الثقافي. وفي قلب هذا الصراع المحتدم، برز المطبخ المغربي العريق—بتقنياته، وأوانيه الفخارية، وتوليفاته العطرية النادرة—هدفاً لحملات منظمة تسعى إلى طمس هويته الضاربة في القدم أو تعويم نسبته الجغرافية والتاريخية.
غير أن التاريخ، بطبيعته الوثائقية الصارمة، لا يقبل التزوير ولا ينصاع للشعارات العابرة؛ فبين ما خطّه الجغرافي الفاسي الحسن بن محمد الوزان (ليون الإفريقي) في روما عام 1526م، وما دُفِن في بطون المخطوطات الموحدية والمرينية في القرن الثالث عشر الميلادي، وصولاً إلى الاعترافات الأكاديمية الصريحة لكبار المفكرين والأنثروبولوجيين الجزائريين المعاصرين وعلى رأسهم الراحل مالك شبل، تتكشّف خيوط حقيقة تاريخية دامغة تفصل بين الأصيل المتجذر والمُقلَّد الطارئ.
الشاهد الأول: فاس سنة 1526م.. الطاجين المغربي قبل الاستعمار الفرنسي للجزائر بثلاثة قرون
قبل أن تطأ أقدام الحملة الفرنسية سواحل الجزائر عام 1830م بأزيد من ثلاثمائة عام، كان العالم الدبلوماسي والجغرافي المغربي الحسن بن محمد الوزان الفاسي (المعروف في الغرب بـ ليون الإفريقي) يعكف في حاضرة الفاتيكان بروما، بتكليف من البابا ليون العاشر، على تدوين موسوعته الشهيرة “وصف إفريقيا” (Della descrittione dell’Africa)، التي أتمّها سنة 1526م وترجمها جون تمبوريل (Jean Temporal) إلى الفرنسية بمدينة ليون عام 1556م.
في الجزء الثالث المخصص لـ “مملكة فاس”، وتحديداً في المباحث الواصفة لأسواق الحاضرة الفاسية وعادات أهلها في المأكل والمآدب، قدّم الوزان توصيفاً إثنوغرافياً دقيقاً لمائدة الفاسيين في مطلع القرن السادس عشر:
«أهل فاس معتدلون في أكلهم، خبزهم أبيض جداً ولذيذ، يطبخون اللحم والبصل والبيض في الفخار على نار هادئة مع الزبدة والتوابل، والأغنياء يضيفون إليه الزعفران والأعشاب العطرية، وهو طبق يقدرونه كثيراً ويأكلونه بأصابعهم بعد تغميس الخبز في المرق.»
لا يمرّ هذا النص التأسيسي مرور الكرام أمام عين الباحث المدقق؛ فهو يضعنا أمام البصمة الوراثية الكاملة لـ “الطاجين المغربي” كما يُحضَّر اليوم بعد مرور خمسة قرون:
1- الوعاء والآلة: الطبخ في آنية الفخار المحلي على نار الفحم الهادئة.
2- التقنية المطبخية: الإنضاج البطيء الذي يسمح بتكثيف المرق (“التغمير” أو “التعسيل” بالاصطلاح المغربي).
3- الهوية العطرية (الزعفران): لم يكن الزعفران مجرد تفصيل عابر، بل علامة على “مطبخ البلاط والحواضر الكبرى” (فاس ومراكش)، حيث كانت قوافل التجارة المغربية وتجارة “الذهب الأحمر” (الزعفران المغربي) تمنح الأطباق لونها الذهبي ومذاقها الرفيع.
4- طقوس المائدة: تناول الطبق ساخناً بالأصابع وتغميس الخبز الأبيض الفاسي في المرق الخاثر.
الشاهد الثاني: “وشهد شاهد من أهلها”.. الأنثروبولوجي الجزائري مالك شبل يحسم الجدل
إذا كان البعض يحاول التشكيك في المصادر المغربية بدافع المناكفة السياسية، فإن الضربة القاضية لأطروحات السطو الثقافي جاءت من قلب النخبة الأكاديمية الجزائرية نفسها. ففي كتابه الشهير “القاموس العاشق للجزائر” (Dictionnaire amoureux de l’Algérie)، الصادر بباريس، يفرد المفكر والمؤرخ والأنثروبولوجي الجزائري الراحل مالك شبل (Malek Chebel) صفحات لتحليل بنية الطعام في بلاده، مقدماً شهادة تاريخية وأنثروبولوجية موثقة بالفرنسية لا تقبل التأويل.
يستهل مالك شبل تحليله بتساؤل نقدي صريح يكشف الفارق الحضاري في الإشعاع العالمي قائلاً:
«لماذا يُعدّ المطبخ الجزائري أقلّ شهرةً من مَلِكَتَي المطابخ العربية: المطبخ المغربي والمطبخ اللبناني؟» (Pourquoi la cuisine algérienne est-elle moins connue que ces reines des cuisines arabes, la cuisine marocaine et la cuisine libanaise ?).
ولا يكتفي المفكر الجزائري بتتويج المطبخ المغربي “مَلِكاً للمطابخ العربية” إلى جانب نظيره اللبناني، بل يمضي إلى تفكيك أصول الأطباق الكبرى واحداً تلو الآخر، حاسماً هويتها المغربية الخالصة بأربع شهادات صريحة داخل الصفحة ذاتها:
– الطاجين والبسطيلة: يقول شبل بالحرف: «إننا نعرف جيداً الطاجين المغربي، والبسطيلة، وأطباق المناسبات…» (On connaît bien le tajine marocain, la pastilla, les plats de fête)، واضعاً إياها في مقابل أطباق محلية أخرى مثل “البريك” و”البوراك”.
– الحريرة المغربية وتأثيرها في الغرب الجزائري: يقرّ شبل بأن “شوربة الفريك” ليست سوى “نسق فرعي بعيد عن الحريرة المغربية التي يستهلكها الجزائريون في الغرب (الجزائري) خلال أشهر الشتاء” (La chorba bel-frik est une variante éloignée de la harira marocaine, que les Algériens de l’ouest consomment durant les mois d’hiver). وهو اعتراف سوسيولوجي بالغ الدقة يثبت أن حضور الحريرة في مدن الغرب الجزائري (مثل تلمسان ووهران وسيدي بلعباس) هو امتداد ثقافي وجغرافي للمطبخ المغربي بحكم الجوار والتاريخ المشترك.
– الطاجين الحلو (اللحم بالبرقوق واللوز والعسل): في الوقت الذي تسعى فيه حملات دعائية معاصرة إلى تسجيل “طاجين لحلو” بوصفه تراثاً جزائرياً خالصاً، يصدمهم مالك شبل بالحقيقة التاريخية الساطعة قائلاً: «الطاجين الحلو (طاجين لحلو) هو طبق ذو أصل مغربي: غني بالسعرات الحرارية، ويجمع معظم مكونات الاحتفال؛ إذ يُعدّ تحضيره برنامجاً في حد ذاته، ويكون العسل وحبوب اليانسون (حبة حلاوة) المحمصة حاضرَين فيه» (Le tagine sucré (tagine lahlou) est un plat d’origine marocaine).
– الجذر السوسيولوجي للفارق بين المطبخين: يفسر مالك شبل طبيعة الطبق الرئيسي في الجزائر بكونه “انعكاساً لتاريخ اجتماعي نقل الوصفات الريفية الفلاحية إلى المدينة وكيّفها حسب أذواق المستهلكين” (reflet d’une histoire sociale qui a apporté les recettes paysannes en ville). وفي المقابل، يجمع المؤرخون على أن تفوق المطبخ المغربي يعود إلى كونه “مطبخ بلاط وإمبراطوريات” (Cuisine Impériale)، رعته قصور فاس ومراكش ومكناس والرباط وتطوان على مدى اثني عشر قرناً من حكم الدول المتعاقبة (الأدارسة، المرابطين، الموحدين، المرينيين، السعديين، والعلويين).
الشاهد الثالث: الجذور الموحدية في القرن السابع الهجري.. بين المخطوطات الأصيلة والمحاكاة الرقمية
لا تقف رحلة البحث الاستقصائي عند القرن السادس عشر مع الحسن الوزان، بل تعود ثلاثمائة عام أخرى إلى الوراء، وتحديداً إلى القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)؛ العصر الذهبي الذي دُوّنت فيه أقدم كتب الطهي في الغرب الإسلامي على الإطلاق، وهما مخطوط “كتاب الطبخ في المغرب والأندلس في عصر الموحدين” ومخطوط “فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان” لابن رزين التجيبي.
وفي سياق تداول صفحات منسوبة إلى “كتاب الطبخ في المغرب والأندلس” على منصات التواصل الاجتماعي—تتحدث إحداها عن “طاجن مغربي باللحم والبرقوق” مؤرخة في ربيع الأول سنة 663 هـ، والثانية عن “طاجين مغربي باللحم والزيتون والليمون المصيّر” مؤرخة بفاس سنة 646 هـ (ورقة 42)—تقتضي الأمانة العلمية والمنهجية الاستقصائية وضع النقاط على الحروف لحماية الحجة المغربية من أي ثغرة شكلية:
– أصالة المضمون التاريخي: إن تقنية الجمع بين لحم الضأن، والبصل المقلى في زيت الزيتون أو السمن، والزعفران المنقوع، والقرفة، والزنجبيل، وتطييبه في الفخار مع الفواكه المعسلة واللوز المقلي أو الحمضيات المخللة والزيتون، هي تقنية مغربية-أندلسية أصيلة موثقة فعلياً في مخطوطات القرن السابع الهجري المحفوظة في الخزانات العالمية.
– التنبيه المهني حول “الصور المولّدة رقمياً”: اللوحتان المتداولتان بصرياً في الفضاء الرقمي ليستا تصويراً فوتوغرافياً للرقّ المخطوط الأصلي (الذي كُتب بالخط المغربي المبسوط العتيق وبمصطلحات القرن السابع الهجري مثل “الأبازير” و*”صنعة لون آخر”*)، بل هما تصميمان فنيان حديثان أُنجزا بتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لمحاكاة شكل المخطوطات القديمة. ويكشف الفحص الفيلولوجي والتقني ذلك بسهولة من خلال استخدام خط النسخ الحاسوبي الحديث، وعلامات الترقيم العصرية، فضلاً عن الهفوات الآلية المعتادة للذكاء الاصطناعي في تكرار بعض الكلمات المتتالية داخل السطر الواحد (مثل تكرار عبارة “حلو المذاق، حلو المذاق” في اللوحة الأولى، وتكرار “يُرش بالكزبرة والبقدونس” في اللوحة الثانية).
إن الدفاع العلمي الرصين عن التراث المغربي في غنى تام عن الاستعانة بلوحات محاكاة رقمية؛ لأن المخطوطات الحقيقية المحققة أكاديمياً (بتحقيق المستشرق الإسباني أمبروزيو هويث ميراندا، والعلامة محمد بن شقرون) موجودة بالخط المغربي الأصيل في كبريات المكتبات الدولية، وتشهد وحدها—دون حاجة لأي تزيين رقمي—بأن حواضر المغرب كانت منذ القرن الثالث عشر الميلادي مختبراً عالمياً لفنون الطهي الرفيع.
خلاصة استقصائية: الجغرافيا والتاريخ لا يُزوَّران
تضعنا هذه القراءة المتقاطعة للوثائق أمام معادلة تاريخية واضحة المعالم:
1- عمق الدولة والاستمرارية الحضارية: المطبخ العريق لا ينشأ من فراغ، بل هو نتاج استقرار سياسي، وبلاط سلطاني، وحواضر تجارية كبرى (فاس، مراكش، سبتة، تطوان، الرباط) راكمت التقاليد الأمازيغية والعربية والأندلسية والإفريقية عبر قرون متواصلة.
2- تواتر الشهادات عبر العصور: من مخطوطات العصر الموحدي (القرن 13م)، إلى شهادة الحسن الوزان الفاسي في روما (1526م)، وصولاً إلى شهادة الأنثروبولوجي الجزائري مالك شبل في باريس (2012م)، يتطابق الخيط الناظم: الطاجين، البسطيلة، الحريرة، وطاجين اللحم بالبرقوق واللوز (طاجين لحلو) هي أركان خالصة للمطبخ المغربي.
3- المنهج العلمي صمام أمان: إن قوة القضية التراثية المغربية تكمن في ارتكازها على الأرشيف الرسمي، والمخطوطات المحققة، وشهادات المؤرخين الأجانب والخصوم قبل الأصدقاء؛ فالحقيقة التاريخية الساطعة لا تحتاج إلا إلى إبراز وثائقها الأصلية لتسقط أمامها كل سرديات الانتحال.

