رسالة من لقلاق .. حين تتحول الطيور إلى شعراء للطبيعة
قراءة في العمل الفني “Message d’une cigogne”
إعداد : عبد الرحيم باريج
ليس فيديو عادياً، هو مانيفستو بيئي مغلف بالشعر، عمل “رسالة من لقلق – Message d’une cigogne” يختار أذكى رسل الطبيعة ليقول ما عجز عنه الإنسان: اللقلاق الأبيض.
الفكرة الأصلية لـ عبد الرحمن شملالي، كلمات إبراهيم ورطاسي، تلحين عباس شاطر، وأداء عبد الرحمن شملالي وعباس شاطر، وإخراج وغرافيزم حسن بوفوس.
1. المشهد: مسرح سماوي ببطل واحد
يضعنا الفيديو من اللقطة الأولى، أمام أيقونة بيئية خالصة: لقلاق أبيض Ciconia ciconia شامخ على غصن شجرة، خلفه سماء زرقاء صافية مرصعة بالسحب البيضاء. لا ضجيج ولا مدينة ولا تلوث بصري، اختيار بصري فاخر ومقصود.
اللقلاق لا يطير في البداية، بل يتأمل، ينظف ريشه، ينحني. إنها لغة الجسد للكائن المطمئن في موطنه. ثم يأتي النص الفرنسي، المترجم عن الأصل العربي، ليمنحه صوتاً:
Le destin l’a voulu, je suis une cigogne
Et j’ai pris ma plume, j’ai chanté
L’amour libre sans cesse et mes plaintes disparaissent
القدر أراد أن أكون لقلاقاً، فأخذت قلمي وغنيت. هنا تتحول الريشة من أداة طيران إلى أداة كتابة، ويكتب اللقلاق مرافعته البيئية.
2. التحليل البيئي: ثلاث رسائل في ريش طائر
يبني العمل خطابه البيئي على ثلاث طبقات عميقة:
أولاً، اللقلاق كمؤشر حيوي ورسول للمناخ، والنص يذكر بذكاء شديد:
Messager du printemps… L’hiver je vis en Inde, bien au chaud… On me nomme Abou Saad
هذا ليس شعراً فقط، بل حقيقة علمية دقيقة. يعتبر اللقلاق الأبيض هو أحد أعظم الطيور المهاجرة، يقطع آلاف الكيلومترات بين أوروبا وشمال إفريقيا وصولاً إلى الهند وجنوب الصحراء. تضرب تسميته الشعبية في المغرب “أبو سعد” أو “البلارج” بجذورها في الثقافة المحلية. ويذكرنا الفيديو أن هذا الطائر هو “رسول الربيع” – عودته هي تقويم بيئي طبيعي، واختفاؤه هو أول ناقوس خطر للتغير المناخي وتدمير الأراضي الرطبة.
ثانياً، فلسفة الدائرة الغنائية
Des êtres comme moi peuplent la terre, dans la forêt et l’océan, le désert mais la vie sans cesse se régénère dans le cercle chantant de la nature entière.
هذه هي ذروة الخطاب. لا يتحدث عن لقلاق واحد، بل عن “الدائرة الغنائية للطبيعة” أو مفهوم الإيكولوجيا الحديثة للترابط. والغابة والمحيط والصحراء ليست جزراً منفصلة، بل حلقة واحدة. تتجدد الحياة باستمرار، لكن هذه الحلقة هشة. ظهور طائر آخر يحلق في الأفق في منتصف الفيديو هو تذكير بصري بأن الهجرة ليست فردية، بل حركة كونية جماعية.
ثالثاً، النداء الأخلاقي المباشر، حينيتحول اللقلاق من شاعر إلى حكيم بيئي يخاطب الإنسان مباشرة:
Gère les ressources avec sagesse, sois doux envers une nature qui se meure, protège-la, prends en soin sans cesse car l’avenir nous attend tapi au fond du cœur.
Ô humain, ton milieu est un refuge, plantes, eau et oiseaux y vivent en cœur. Protège-le, fais-lui un serment qui ne bouge, il vivra pour toujours.
هنا تكمن الفخامة البيئية للعمل. لا يصرخ ولا يتهم، يهمس بحكمة: الموارد تُدار بحكمة، الطبيعة تحتضر وتحتاج للطف، بيئتك هي ملجأك أنت أولاً. النبات والماء والطيور يعيشون فيه “في قلب واحد”/وحدة المصير.
3. البعد المغربي: حلم اللقلاق
تعتبر اللقطة الأكثر تأثيراً هي حين يرفرف العلم المغربي بجانب اللقلاق مع عبارة:
Mon rêve est au Maroc, vivre parmi les êtres, nous cueillons le cœur des fleurs.
اختيار عبقري، لأن المغرب هو من أهم ممرات هجرة اللقالق في العالم، وضاية دار بوعزة، وضايات الأطلس، وسهول سوس، هي محطات استراحة أسطورية لها. وحلم اللقلاق أن يعيش في المغرب هو اعتراف عالمي بأن المغرب لا يزال يقدم “ملجأً”، لكنه حلم مشروط بالحماية، والرسالة الرقيقة للمغرب: “حافظوا على أراضيكم الرطبة، فأنتم موطن القلب”.
حين تختفي الشكوى
يختم العمل بنفس البداية: “وأخذت ريشتي وغنيت نوعي، الحب الحر بلا انقطاع، وتختفي شكواي”.
الرسالة البيئية الفاخرة هنا هي أن الحل ليس في الشكوى المستمرة، بل في الفعل المحب. عندما نحب الطبيعة بحرية وبدون شروط، تختفي شكوى الطبيعة نفسها.
“رسالة من لقلاق” ليس أغنية للأطفال، بل هو تذكير راقٍ بأن أكثر الكائنات هشاشة هي التي تحمل أثقل الرسائل. اللقلاق الذي يقف على غصن واحد فوق سماء واسعة، يخبرنا أن مستقبلنا كله متعلق بهذا الغصن.

