زِلْزَالُ الْـ10 مَلَايِينَ قُرْصٍ: الْجَزَائِرُ تَتَحَوَّلُ إِلَى “عَاصِمَةٍ عَالَمِيَّةٍ لِلْكَبْتَاغُونِ”…إِمْبَرَاطُورِيَّةُ الظِّلِّ حَيْثُ تَتَقَاطعُ طُرُقُ الْكُوكَايِينِ وَالْمُؤَثِّرَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَتُهَدِّدُ الْبِنْيَةَ الْأَمْنِيَّةَ لِلْمِنْطَقَةِ

زِلْزَالُ الْـ10 مَلَايِينَ قُرْصٍ: الْجَزَائِرُ تَتَحَوَّلُ إِلَى “عَاصِمَةٍ عَالَمِيَّةٍ لِلْكَبْتَاغُونِ”…إِمْبَرَاطُورِيَّةُ الظِّلِّ حَيْثُ تَتَقَاطعُ طُرُقُ الْكُوكَايِينِ وَالْمُؤَثِّرَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَتُهَدِّدُ الْبِنْيَةَ الْأَمْنِيَّةَ لِلْمِنْطَقَةِ

عبدالقادر كتـــرة

شهدت المنطقة المغاربية في غشت 2026 هزة أمنية غير مسبوقة، إثر الإعلان عن تفكيك شبكة إجرامية دولية ومصادرة أكثر من 10 ملايين قرص من المؤثرات العقلية وأزيد من 33 كيلوغراماً من الكوكايين في الجزائر.

هذا الرقم الفلكي، الذي جاء تتويجاً لتحقيقات القطب الجزائي الوطني لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بمحكمة سيدي امحمد، يتجاوز كونه مجرد “عملية ضبط روتينية”، ليطرح تساؤلات جوهرية حول التحولات العميقة في بنية الجريمة المنظمة، وتحول شمال إفريقيا والصحراء الكبرى من مجرد مناطق عبور إلى مراكز ثقل لوجستي وربما إنتاجي.

– أرقام فلكية وشبكات عابرة للقارات

لم تكن العملية التي أسفرت عن توقيف 25 شخصاً في حالة تلبس والبحث عن 25 آخرين من جنسيات متعددة (جزائرية، مغربية، هولندية، وموريتانية) مجرد صدفة أمنية. فالقيمة التسويقية للمحجوزات التي تقدر بحوالي 1000 مليار سنتيم تعكس حجم التمويل والقدرات اللوجستية لهذه الشبكات. تزامن تفكيك هذه الشبكة، التي كانت تدير عملياتها بين عدة دول وصولاً إلى تحويل الأموال عبر شبكات دولية معقدة، مع تحذيرات متصاعدة من خطورة إغراق المنطقة بالمخدرات الاصطناعية، مما يدق ناقوس الخطر حول استهداف البنية الديموغرافية والاجتماعية.

– لغز الإنتاج: هل انتقلت مصانع الكبتاغون إلى المنطقة؟

يثير حجم المحجوزات (10 ملايين قرص في عملية واحدة) تساؤلات ملحة بين المحللين الأمنيين.

من الناحية اللوجستية، يصعب جداً تهريب هذه الكميات الهائلة دفعة واحدة عبر الحدود المراقبة دون وجود بنية تحتية محلية.

إنتاج هذا الحجم يتطلب مكابس ضغط متطورة ومختبرات كيميائية معقدة وأطناناً من السلائف الكيميائية.

هنا، تبرز فرضية جيوسياسية خطيرة يطرحها مراقبون؛ فمع الانهيار الأخير لنظام دمشق في الشرق الأوسط، والذي كان يُعد الحاضنة الأكبر لكارتيلات إنتاج “الكبتاغون”، رُصدت محاولات حثيثة من قبل مافيات المخدرات لنقل معداتها وخبراء الكيمياء التابعين لها إلى ملاذات جديدة.

وتتجه الأنظار نحو شمال إفريقيا، خاصة منها الجزائر بحكم العلاقات التي كانت تربط نظام الأسد بالنظام العسكري الجزائري، كقاعدة خلفية محتملة لتوطين هذه المصانع، مستغلة المساحات الشاسعة في الجنوب والتقاطعات الجغرافية المعقدة لتأسيس “مجمعات صناعية سرية”.

– الصحراء الكبرى: العقدة اللوجستية لـ “اقتصاد الظل”

تُجمع التقارير الدولية، وعلى رأسها أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، على أن الصحراء الكبرى ومنطقة الساحل باتت المحرك الرئيسي لهذه التجارة العابرة للحدود. وتعتمد المافيات تحت رعاية ومراقبة وتخطيط جنرالات النظام العسكري الجزائري، على مسارات ديناميكية بالغة التعقيد:

– مسار الكوكايين الإفريقي: ينطلق من موانئ غرب إفريقيا وخليج غينيا، ليعبر دول الساحل (مالي والنيجر) وصولاً إلى الصحراء الجزائرية والجنوب الليبي، تحت مراقبة ومباركة جنرالات العسكر الجزائري، ومنه إلى أوروبا.

– محطة الترانزيت الليبية: تحولت ليبيا، بفعل هشاشة الوضع الأمني والحدود المفتوحة، إلى مركز توزيع إقليمي تعاد فيه تعبئة الشحنات لتوجيهها بحراً نحو الأسواق الأوروبية أو شرقاً نحو الشرق الأوسط.

– التقاطع مع الإرهاب: أثبتت التقارير الأممية أن قوافل المخدرات تدفع “إتاوات عبور” باهظة للميليشيات المسلحة والجماعات المتمردة في الساحل وجنوب الصحراء الجزائرية، مما يجعل المخدرات الممول الأول للإرهاب وعدم الاستقرار الإقليمي.

– التداعيات الماكرو-اقتصادية والأمنية

إن تحول المنطقة إلى مركز لإنتاج وتوزيع المخدرات لا يهدد السلم الأهلي فحسب، بل يضرب في العمق الاستقرار الماكرو-اقتصادي. فمليارات الدولارات من الأموال القذرة تخلق “اقتصاد ظل” يغذي الفساد المؤسساتي ويهدد بابتلاع الاقتصادات المهيكلة.

والأخطر من ذلك، أن هذا الانفلات الأمني في الصحراء الكبرى يهدد مباشرة المشاريع الإقليمية الكبرى والبنية التحتية الاستراتيجية (مثل مشاريع خطوط أنابيب الغاز العابرة للصحراء وطرق التجارة الدولية الحرة).

استمرار هذا النزيف قد يضع دول المنطقة أمام خطر الانزلاق نحو نماذج “دولة المخدرات”، ويدفع المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي إلى فرض قيود وتصنيفات صارمة ستؤدي حتماً إلى عزل المنطقة اقتصادياً.

في مواجهة هذه الإمبراطورية المتنامية، لم يعد التنسيق الأمني التقليدي كافياً، بل بات لزاماً صياغة استراتيجية إقليمية ودولية شاملة تضرب البنية المالية واللوجستية لهذه الكارتيلات قبل أن تبتلع مستقبل المنطقة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *