دِبْلُومَاسِيَّةُ التَّضَامُنِ: كَيْفَ أَضَاءَ المَوْقِفُ المَغْرِبِيُّ لَيْلَ نُوَاكْشُوط؟…المَغْرِبُ وَمُورِيتَانْيَا.. أُخُوَّةٌ تَتَجَاوَزُ الحُدُودَ وَتُشْرِقُ فِي وَقْتِ المِحَنِ
عبدالقادر كتـــرة
لم تكن الانقطاعات الكهربائية الواسعة التي عاشتها العاصمة الموريتانية نواكشوط مؤخراً مجرد أزمة عابرة في البنية التحتية، بل كانت اختباراً حقيقياً لمتانة الروابط الإقليمية.
وفي لحظات العتمة تلك، تجلت بوضوح أسمى معاني التضامن؛ حيث سارع المغرب لتلبية نداء الواجب، مؤكداً أن أمن واستقرار الجارة الجنوبية هو جزء لا يتجزأ من أمن المملكة.
– استجابة فورية لا تعرف التأخير
بمجرد الإعلان عن تضرر محطات التحويل الكهربائي في نواكشوط، تحركت الآلة التضامنية المغربية بسرعة قياسية لمساندة الأشقاء:
تم إرسال فرق فنية ومهندسين متخصصين في إدارة أزمات الطاقة فوراً إلى الميدان.
وجُهزت قوافل محملة بالمعدات والتجهيزات اللوجستية الثقيلة لدعم جهود إصلاح الأعطاب.
جرى تنسيق العمليات على أعلى المستويات مع السلطات الموريتانية لضمان تسريع استعادة الخدمة للمواطنين.
هذا التحرك السريع والفعال لم يكن استعراضاً بروتوكولياً، بل هو تجسيد عملي لنهج مغربي راسخ يضع الوقوف إلى جانب الأشقاء في صدارة أولوياته متجاوزاً لغة المصالح الضيقة.
– امتداد لرؤية تضامنية شاملة
لا يُعد هذا التدخل الإيجابي في موريتانيا حدثاً معزولاً، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواقف الإنسانية التي يتبناها المغرب.
من تسيير الجسور الجوية للمساعدات الطبية والغذائية للعديد من الدول الإفريقية والعربية في أوقات الأزمات، إلى تقديم الدعم التقني واللوجستي الفوري، تُثبت المملكة دائماً أن “التعاون جنوب-جنوب” ليس مجرد شعار يُتداول في المؤتمرات، بل هو عقيدة راسخة تُترجم إلى أفعال على أرض الواقع وقت الشدائد.
– نحو أمن طاقي مشترك
تجاوزت المبادرة المغربية في نواكشوط هدفها المباشر المتمثل في إعادة التيار الكهربائي، لترسل رسالة استراتيجية حول أهمية المصير المشترك. هذه المحنة لفتت الانتباه إلى الأهمية القصوى لتسريع مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي بين البلدين، وهو ما سيوفر مستقبلاً “صمام أمان” يحمي المنطقة من الطوارئ المماثلة. لقد أثبتت أزمة نواكشوط أن الجذور المشتركة ونور الأخوة هما المولد الحقيقي للطاقة الذي لا ينقطع أبداً.
ختاما، تجاوزت هذه الأزمة بعدها المحلي لتحمل دلالات جيوسياسية واقتصادية على مستوى المنطقة:
– تكريس “دبلوماسية التضامن” لمحور (الرباط – نواكشوط – دكار): الاستجابة الفورية من المغرب والسنغال وإرسال فرق فنية ومعدات ليست مجرد خطوة تقنية، بل هي رسالة سياسية تؤكد على متانة التحالف والترابط الاستراتيجي بين الدول الثلاث.
في ظل التوترات الأمنية والسياسية التي تعيشها منطقة الساحل المجاورة (مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، تحرص كل من الرباط ودكار على دعم استقرار موريتانيا، باعتبارها “العمق الاستراتيجي” و”بوابة العبور” الآمنة بين شمال إفريقيا وغربها.

