المنتخب السنغالي وإعلامه ومسؤولوه طبقوا حرفيا قاعدة “مراعاة موازين القوى”: استأسدوا حيث أمنوا العقاب وصمتوا حيث أدركوا أن الكلمة قد تكلفهم غالياً
عبدالقادر كتـــرة
الاتحاد السنغالي لن يصدر بلاغا ناريا كما فعل خلال تنظيم المغرب لكأس أفريقيا 2025 التاريخية عن غياب الأمن لحظة حلول وفده الرياضي بمقر الإقامة بالولايات المتحدة، ولن يفتحوا أفواههم للزعيق والنهيق والنقيق احتجاجا وغضبا وصراخا…!
ولن يكتب إعلام الحظيرة الراقص الرخيص الخبيث حرفا واحد للصراخ الإرتزاقي المحموم ويطلق كلابه للنباح وحميره للنهيق لدعم احتجاج مفترض للسنغال…!
قيل قديما بالمغرب….”أسد عليَّ وفي الحروب نعامة” و”في بيته سبع وفي الخارج ضبع” و”ديك على مزبلته صياح”
من غرائب وعجائب دول أفريقيا وخصائصهم الجبن والتخاذل والكذب والحقد والحسد:
هذا المتخب السنغالي الذي أقام الدنيا ولم يقعدها في كأس افريقيا المنظمة بالمغرب لم يتوقف عن انتقاد التنظيم الذي كان نموذجياً وتاريخيا، منذ أن وضع أقدامه على الأرض الطاهرة للمملكة المغربية الشريفة وتعمد إشعال الفتنة ببلاغات حول انعدام الامن ووضع المنتخب في خطر بعد استقباله في الرباط من طرف الجمهور السنغالي الذي اخبره بتوقيت وصوله إلى الرباط، وكانت نيته خبيثة لاختلاق أزمة لغرض في نفسهم وتشويه سمعة المغرب المضياف الذي فتح له أذرعه كما فتح مدنه لأكثر من 300 ألف سينغالي يعيشون معززين مكرمين..
لكن ما وقع في الولايات المتحدة الأمريكية بعد وصول الوفد والمنتخب السنغالي وسط موجة من الجماهير أخطر مما كان عليه في المغرب، فاعتبروها حماسا واستقبالا حارا ومحبين اجتمعوا للترحيب بالمنتخب..
الكيل بمكيالين والخوف والرعب تملكهم من التفوه بكلمة واحدة تغضب الرئيس الترامب رغم أنه لم يسمح بمنحهم التأشيرة للجماهير السنغالية، فبلعوا ألسنتهم وشكروا وأشادوا وسكتوا وساروا كالخرفان…
هل ما زال الأفارقة في عهد العصا، من يكرمهم يتنكرون له ومن يهينهم يكرمونه ويقبلون يده؟
إشكالية عميقة تتجاوز حدود الرياضة لتلامس صميم العلاقات الدولية وعلم النفس السياسي. المثل المغربي الدارج “أسد عليَّ وفي الحروب نعامة” يختزل هذا التناقض الصارخ في السلوك: الاستقواء وافتعال الأزمات مع الند الإقليمي، في مقابل التماهي والانقياد التام أمام القوى العظمى.
هذا “الكيل بمكيالين” في التعاطي مع الأحداث الرياضية والإدارية، سواء ما حدث خلال كأس أمم إفريقيا بالمغرب أو ما يحدث الآن في الولايات المتحدة، سلوك سيكولوجي وذلك عبر
صناعة الأزمات الإقليمية مقابل التماهي مع القوى العظمى.
في السياق الإفريقي (كما حدث في الرباط)، غالباً ما تُستغل الأحداث العادية أو التفاصيل التنظيمية (مثل تجمهر الجماهير للترحيب) كأوراق ضغط استراتيجية وإدارية.
الهدف هنا يكون “الاحتجاج الاستباقي” أو التأثير على اللجان المنظمة وقرارات الاتحاد الإفريقي ، ومحاولة إرباك البلد المضيف الذي يُنظر إليه كمنافس مباشر على الساحة القارية.
أما في الولايات المتحدة، فالأمر يختلف جذرياً؛ إذ يغيب طموح المنافسة الندية، وتحل محله رغبة في كسب الرضا وتجنب أي صدام دبلوماسي أو إعلامي مع دولة تملك آلة إعلامية وسياسية ضخمة.
رفض التأشيرات وصرامة الإدارة الأمريكية (في سياق إدارة ترامب) تفسر الكثير من هذا السلوك. الوفود الرياضية، وحتى الاتحادات، تدرك تماماً حجم الثقل السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة.
– في المغرب: شعر الوفد السنغالي بأريحية تامة في إصدار بلاغات التنديد، لعلمهم أن المغرب يتعامل بمنطق الأخوة الإفريقية، الدبلوماسية الناعمة، وحسن الضيافة.
– في أمريكا: يدركون أن أي بيان يحمل انتقاداً للأمن القومي أو التنظيم الداخلي قد يُقابل بردود فعل صارمة تتجاوز الرياضة لتصل إلى تعقيدات دبلوماسية، قيود على التأشيرات، أو حتى ترحيل. الخوف من “العواقب” يفرض عليهم ابتلاع ألسنتهم.
من الناحية السيكولوجية، ما زالت بعض العقليات تعاني من ترسبات النظرة الدونية للذات مقابل تضخيم “الآخر” الغربي.
نفس المشهد (تدافع جماهيري حول حافلة المنتخب) يُترجم في دولة إفريقية على أنه “انفلات أمني، سوء تنظيم، وتهديد لسلامة اللاعبين”.
ويُترجم في دولة غربية على أنه “شغف جماهيري، استقبال أسطوري، وحماس منقطع النظير”.
هذه الازدواجية تعكس خللاً في التقييم الموضوعي، حيث يُحاكم التنظيم المغربي (الذي كان باعتراف دولي نموذجياً وتاريخياً) بمعايير قاسية ومُتصيدة للأخطاء، بينما تُغتفر كل الهفوات اللوجستية والأمنية بمجرد عبور المحيط الأطلسي.
– هل ما زالوا في “عهد العصا”؟
الحنين لـ”عهد العصا” كطبيعة بشرية، هو انعكاس مباشر لـ “الواقعية السياسية” (Realpolitik) وموازين القوى.
الاحترام في المنظومة الدولية الحالية – للأسف – لا يُنتزع دائماً بحسن التنظيم، والكرم، والبنية التحتية المتطورة فقط، بل يُفرض أيضاً بالهيبة السياسية والقدرة على الردع.
ما قام به المنتخب السنغالي وإعلامه هو تطبيق حرفي لقاعدة “مراعاة موازين القوى”؛ فقد استأسدوا حيث أمنوا العقاب وصمتوا حيث أدركوا أن الكلمة قد تكلفهم غالياً.

