قُصُورُ الْوَهْمِ فِي تِنْدُوفَ وَثَمَنُ الِاسْتِلَابِ: كَيْفَ تَبْتَلِعُ جِيُوسِيَاسَةُ النِّظَامِ الْعَسْكَرِيِّ الْجَزَائِرِيِّ مُقَدَّرَاتِ الشَّعْبِ الْمُسْتَلَابِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى أَمْرِهِ لِتَشْيِيدِ “دَوْلَةٍ وَهْمِيَّةٍ دَاخِلَ دَوْلَةٍ مُنْهَارَةٍ”
عبدالقادر كتـــرة
في ظل تعقيدات أسواق الطاقة والتحولات الجيوسياسية، تدفع الشعوب فاتورة باهظة لتمويل سياسات تعتمد على القمع الرقمي ودبلوماسية دفتر الشيكات بدلا من التنمية المستدامة.
في عمق الصحراء، حيث تتلاشى معالم التنمية وتبرز قسوة الجغرافيا، ينتصب مشهد سريالي يلخص حالة التناقض الصارخ التي تعيشها الجزائر الغنية بثرواتها الفقيرة بشعبها الفاسدة بحكامها.
قصر شاسع، صمم بعناية على الطراز المعماري المغربي الأصيل، يشيد لزعيم جبهة البوليساريو في قلب تندوف في الجزائر، بأموال الشعب الجزائري الذي يلتهمه جحيم الحرائق وأسعار المواد الاستهلاكية وجفاف عطش الصيف الحار لانعدام الماء وقضاء ساعات تحت أشعة حارقة في طوابير لا متناهية بحثا عن لتر بنزين أو قنينة غاز أو جرعة ماء لإطفاء نيران العطش أو لقمة عيش لسد أفواه الجوع…
هذا البنيان الفخم مقابل خيام الذل والعار، لا يمثل مجرد ترف شخصي، بل هو تجسيد مادي لكيان يتصرف كـ “دولة داخل دولة”، يبني ويشيد خارج نطاق القوانين والمسح العقاري، في تحد سافر لمفهوم السيادة. ولكن المفارقة الأكبر تكمن في أن هذا المشهد الفاخر يقوم على أرض بات شعبها يعاني الأمرين من سوء الإدارة وتبدد الثروات.
هندسة الاستلاب والاستبداد الرقمي
لتمرير هذه التناقضات الجيوسياسية، لا بد من بيئة داخلية معزولة عن الحقيقة. لقد نجحت الآلة الدعائية الجزائرية في خلق حالة من “الاستلاب الجماعي” وسط الشعب الجزائري المفزوع والمقموع، حيث تمت إعادة برمجة الوعي الجغرافي والسياسي لشريحة واسعة من المجتمع الجزائري، لدرجة أن الكثيرين باتوا يؤمنون بسرديات متناقضة تتجاهل الواقع الإقليمي.
وفي عصر الفضاء المفتوح، لم تقف رقابة أخطبوط النظام العسكري الجزائري عند الحدود التقليدية، بل تحولت إلى “استبداد رقمي” شامل.
بات الفضاء الإلكتروني مصيدة محكمة؛ فمجرد نقرة “إعجاب” (لايك)على منشور ينتقد الوضع القائم قد تؤدي بصاحبها إلى غياهب النسيان في عمق سجون العسكر.
هذا الإرهاب النفسي يخلق شرطيا داخليا في عقل كل مواطن، مما يجعل الجميع رهائن لخطاب أحادي تروج له جيوش من “الذباب الإلكتروني” لخلق إجماع وهمي يدغدغ العواطف ويغيب العقول.
“شراء ولاءات بعض الأقلام الأجنبية لتلميع الصورة ليس إلا محاولة بائسة لشراء شرعية خارجية تعوض فقدان الشرعية الداخلية.”
دبلوماسية الريع والاختلال الماكرو-اقتصادي
لا يقتصر الأمر على الداخل، بل يمتد إلى شبكة معقدة من شراء الذمم في الخارج ثكنتها مخابرات تحت مراقبة جنرالات عسكر النظام.
يتم توظيف مؤثرين وأشباه صحفيين من مختلف الدول بدولارات معدودة، مهمتهم الوحيدة هي التصفيق لخطوات النظام الجزائري وتلميع صورته إقليميا ودوليا. لكن السؤال الجوهري يتعلق بمصدر هذا التمويل الضخم.
من منظور الاقتصاد الكلي، تمثل هذه المنظومة استنزافا مروعا لمقدرات الشعب الجزائري. إنها دبلوماسية ترتهن بشكل كامل لديناميكيات أسواق الطاقة.
فبدلا من توجيه عائدات المحروقات نحو بناء هيكل اقتصادي منتج ومستدام، تحرق هذه الثروات في تمويل نزاعات مفتعلة وشراء ولاءات هشة.
خاتمة: إن الاعتماد الحصري على التقلبات الدورية لأسعار النفط والغاز لتغطية فاتورة القمع الداخلي والرشوة الجيوسياسية الخارجية، هو رهان خاسر على المدى المتوسط والطويل.
مع أي هزة عنيفة في أسواق الطاقة العالمية، ستعجز هذه الآلة عن تسديد ثمن بقائها. حينها، لن تكون القصور المبنية في الفيافي، ولا المقالات المدفوعة، قادرة على حجب الحقيقة عن شعب يتطلع إلى استرداد حقه في الحياة الكريمة والتنمية الحقيقية.

