بين غضب الشارع التونسي وحتمية الجغرافيا: عندما تتفوق البراغماتية على الانفعال.. لماذا اختارت تونس “الصمت الدبلوماسي” مع جارتها الكبرى؟
عبدالقادر كتـــرة
شهدت الأيام القليلة الماضية موجة من الاحتقان والغضب غير المسبوق في الأوساط السياسية والإعلامية التونسية، وامتدت شرارتها لتشعل منصات التواصل الاجتماعي، وذلك على خلفية تصريحات أطلقها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.
تلك التصريحات، التي قُرئت في تونس على أنها تحمل نبرة “أبوية” أو تمس بالسيادة الوطنية، فتحت باب النقاش واسعاً حول طبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين الجارين، وطرحت تساؤلات ملحة: هل تتجه الأزمة نحو تصعيد دبلوماسي معلن، أم أن لغة المصالح وحتمية الجغرافيا ستفرض كلمتها في الكواليس؟
– غضب شعبي ونخبوي: “السيادة خط أحمر”
لم تتأخر النخب التونسية والنشطاء في الرد على ما اعتبروه تدخلاً في الشأن الداخلي.
وقد اتسمت ردود الأفعال بنبرة حادة استدعت التاريخ والسيادة لرد الاعتبار، حيث تركزت الخطابات الشعبية والإعلامية على عدة محاور:
– الاستدعاء التاريخي: التذكير بالتاريخ التونسي العريق (من قرطاج إلى حنبعل)، والتأكيد على أن تونس أدارت دائماً أزماتها دون الحاجة إلى وصاية خارجية، مع استحضار الدعم التونسي للجزائر خلال ثورة التحرير وفي سنوات “العشرية السوداء”.
– رفض الوصاية وتأكيد النموذج المواطني: شددت العديد من الأصوات، من بينها كتاب ومحللون، على أن تونس حاربت الإرهاب ودفنت المشاريع المتطرفة بفضل يقظة أجهزتها وتماسك حاضنتها المجتمعية المدنية، رافضين أي مقاربة تحاول تصدير “فزاعة الإرهاب” للضغط على الإرادة الشعبية.
– التصعيد اللفظي: ذهبت بعض الأصوات المتشددة نحو التصعيد الجيوسياسي، ملوحة بورقة العلاقات الإقليمية واستغلال نقاط الضعف في المحيط المغاربي للرد على الاستفزاز.
براغماتية الدولة: صمت رسمي واحتواء هادئ
على النقيض من الصخب السائد في الشارع والمنابر الإعلامية، التزمت الدبلوماسية التونسية الرسمية الصمت. هذا “الصمت” ليس غياباً للموقف، بل هو تجسيد لسياسة “الاحتواء في الكواليس”، وهي سياسة تمليها حسابات دقيقة وبراغماتية لا تعترف بالانفعالات اللحظية. وتستند هذه المقاربة الرسمية إلى ركائز صلبة لا يمكن المجازفة بها:
– شريان الطاقة والاقتصاد: ترتبط تونس بعلاقات اقتصادية حيوية مع الجزائر، تعتمد من خلالها على واردات الغاز الطبيعي والكهرباء. كما مثلت الجزائر في السنوات الأخيرة سنداً مالياً واقتصادياً لتونس عبر التسهيلات المالية والودائع، فضلاً عن كون السائح الجزائري يمثل محركاً رئيسياً للسياحة الحدودية والتجارية.
– الحتمية الأمنية والعسكرية: يشترك البلدان في شريط حدودي يتجاوز طوله الألف كيلومتر. الأمن القومي التونسي مرتبط عضوياً بالأمن القومي الجزائري، ومكافحة الإرهاب والتهريب تتطلب تنسيقاً استخباراتياً وميدانياً على مدار الساعة. تدرك القيادات في البلدين أن أي قطيعة سياسية قد تترك فراغاً أمنياً خطيراً.
– التحالفات السياسية الحالية: تعيش العلاقات الرسمية بين قيادتي البلدين في الوقت الراهن حالة من التقارب الاستراتيجي، وهو ما يجعل السلطات التونسية أحرص ما تكون على حل أي تباين في وجهات النظر بعيداً عن عدسات الكاميرات.
الدبلوماسية الصامتة.. صمام الأمان
يبدو أن الخيار التونسي قد استقر على استراتيجية “تبادل الأدوار”.
فمن جهة، ترك المجال مفتوحاً أمام الرأي العام والإعلام للتعبير عن رفضه لأي تجاوز يمس الكرامة الوطنية، وهو ما يوصل رسالة مبطنة لكنها واضحة للطرف الآخر.
ومن جهة ثانية، تتحرك الدبلوماسية الهادئة في الغرف المغلقة، عبر الاتصالات المباشرة والمبعوثين، لإزالة سوء الفهم وتوضيح المقاصد.
خلاصة القول، سحابة الصيف هذه ستمر على الأرجح دون أن تترك أثراً مدمراً على العلاقات الرسمية.
فرغم قسوة الكلمات المتبادلة في الفضاء العام، تظل لغة المصالح العليا ومقتضيات الأمن المشترك هي البوصلة الحقيقية التي توجه دفة العلاقات بين تونس والجزائر.
ستنطفئ الانفعالات تدريجياً، لتعود ماكينة التنسيق الثنائي إلى دورانها المعتاد، مؤكدة أن الجغرافيا السياسية لا تخضع لأحكام العواطف.

