المغرب يحتضن اجتماعا سريا بالغ الأهمية لخبراء من الدول الخمس الدائمة العضوية المعترف بها في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية
عبدالقادر كتـــرة
أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، في تصريح رسمي يوم 26 ماي 2026، أن خبراء من الدول الخمس الدائمة العضوية (P5) المعترف بها في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، عقدوا بالفعل اجتماعاً في مدينة الدار البيضاء قبل بضعة أسابيع من إعلانه.
من التفاصيل الجيوسياسية البارزة التي تغيب عن بعض التقارير، أن هذا اللقاء السري تم بتنسيق وإشراف من المملكة المتحدة، واقتصر حصراً على مستوى “الخبراء” المكلفين بملفات الحد من التسلح وتقليل المخاطر النووية، لتفادي التعقيدات البروتوكولية المرتبطة باللقاءات الوزارية المباشرة.
اتسم اللقاء بسرية تامة. والمثير للاهتمام أن موسكو هي العاصمة الوحيدة التي اختارت تسريب الخبر والإعلان عنه رسمياً حتى الآن، بينما اختارت كل من واشنطن، بكين، باريس، ولندن الإبقاء عليه طي الكتمان.
في ظل الاستقطاب الحاد وانعدام الثقة بين روسيا والعواصم الغربية، يُعد جلوس الأطراف الخمسة حول طاولة واحدة في الدار البيضاء شهادة عملية على مكانة المملكة كمنصة دبلوماسية محايدة وآمنة، قادرة على استضافة حوارات معقدة بعيداً عن ضغط الأزمات في أوكرانيا والشرق الأوسط.
بما أن المغرب ليس دولة نووية، فإن مهمته لم تكن التدخل في التفاصيل التقنية للترسانات أو معاهدات عدم الانتشار، بل كانت مهمة دبلوماسية وأمنية-سيادية بامتياز، وتتلخص في توفير بيئة محايدة ومحصنة تماماً من الاختراقات الاستخباراتية وضغوط الإعلام. نجاح الأجهزة الأمنية والدبلوماسية المغربية في إبقاء الحدث طي الكتمان لأسابيع يعكس احترافية عالية جعلت من الرباط “صندوقاً أسوداً” موثوقاً.
ثم في أوقات الحروب والأزمات (أوكرانيا، الشرق الأوسط)، تعجز العواصم التقليدية (مثل جنيف أو فيينا) أحياناً عن استضافة حوارات بعيدة عن التسييس. المغرب وفر هذه المنصة البديلة.
هذا الاجتماع يستحضر الإرث التاريخي ويذكر باستضافة الدار البيضاء لهذا اللقاء تعيد للأذهان “مؤتمر أنفا” السري عام 1943، حيث اجتمع الحلفاء لرسم مسار نهاية الحرب العالمية الثانية. وهو ما يرسخ رمزية المدينة كعاصمة للقرارات المفصلية.
لماذا اختارت روسيا (ريابكوف) تسريب الخبر؟
تسريب موسكو للخبر، في حين التزمت بقية العواصم (بما فيها لندن التي نسقت اللقاء) الصمت، هو خطوة محسوبة تحمل رسائل محددة لكسر سردية “العزلة الدولية” حيث أرادت موسكو إيصال رسالة للعالم بأنها ليست منبوذة، وأن الغرب الذي يحاربها اقتصادياً وعسكرياً في أوكرانيا، يظل مضطراً للجلوس معها سراً لمناقشة أمن الكوكب.
من جهة، وسط التلويح المستمر بـ “الخيار النووي” في التوترات الحالية، أرادت روسيا طمأنة المجتمع الدولي بأنها لا تزال فاعلاً عقلانياً يحترم مؤسسات النظام العالمي وقنوات مجموعة الخمس (P5) لتجنب الانزلاق نحو حرب مدمرة.
من جهة ثانية، تثمين دور “الجنوب العالمي” عبر إعلان أن هذا اللقاء الحساس تم في دولة إفريقية، يتماشى مع استراتيجية روسيا والصين في كسر احتكار العواصم الغربية لإدارة الأزمات، والتأكيد على الدور المتصاعد للقوى الموثوقة في الجنوب العالمي.
لهذا الاجتماع تداعيات ورسائل جيوسياسية:
1. على المستوى الوطني (المغرب)
انتقلت المملكة بهذا الحدث من مرتبة “الفاعل الإقليمي” المستقر إلى منصة ارتكاز استراتيجية دولية.
تحول المغرب إلى شريك موثوق للقوى الخمس الكبرى مجتمعة — رغم تناقضاتها — يمنحه أوراق قوة تفاوضية غير مسبوقة.
هذا الرصيد من الثقة الدولية يجعل من الحفاظ على قوة المغرب واستقراره مصلحة أمنية عليا لتلك العواصم، وهو ما سينعكس حتماً على قوة الموقف المغربي في ملفاته السيادية والدبلوماسية.
2. على المستوى الإقليمي (شمال إفريقيا والساحل)
يُبرز هذا الحدث تناقضاً صارخاً بين صورتين في المنطقة:
– المغرب كـ “واحة استقرار” ومُيسِّر للأمن العالمي.
– جوار إقليمي ومنطقة ساحل تغرق في الانقلابات، التوترات الأمنية، والتدخلات الخارجية.
هذا التباين يوجه رسالة سياسية للإقليم بأن الرباط تلعب وفق معايير موثوقية دولية تضعها خارج نطاق المقارنة أو المناكفات الإقليمية المحدودة.
3. على المستوى العالمي
يُعد الاجتماع بحد ذاته “جرعة أمل” وسط التشاؤم السائد. فهو يثبت أن رغم وصول العلاقات الغربية-الروسية أو الأمريكية-الصينية إلى أدنى مستوياتها، فإن “الخطوط الحمراء” المؤسساتية المرتبطة بالردع النووي لا تزال تعمل.
هذه الدبلوماسية الهادئة تضمن بقاء قنوات التواصل مفتوحة لضبط التسلح وتفادي أي سوء تقدير عسكري قد يقود إلى كارثة عالمية.

