الجزائر: إيداع “شياتة” العسكر المحامية الموقوفة عن ممارسة المهنة والمطرودة من مخيمات تندوف لطيفة ديب، رهن الحبس المؤقت بالسجن في انتظار محاكمتها
عبدالقادر كتـــرة
تناقلت وسائل الإعلام الجزائرية خبر اعتقال شياتة النظام العسكري الجزائري المحامية الموقوفة عن ممارسة مهنة المحاماة والمطرودة من مخيمات تندوف: “أصدرت قاضية الجلسة بمحكمة الجنح في سيدي امحمد مساء الثلاثاء 2 يونيو 2026، أمرا بإيداع المحامية الموقوفة عن ممارسة المهنة لطيفة ديب رهن الحبس المؤقت بسجن القليعة، على أن تجرى محاكمتها يوم 8 يونيو الجاري، عن تهمة عرض منشورات على أنظار الجمهور من شأنها المساس بالمصلحة الوطنية.
وجاء توقيفها من طرف مصالح الشرطة القضائية لأمن ولاية الجزائر الاثنين، وجرى تقديمها أمام وكيل الجمهورية، الذي أحالها على المثول الفوري الثلاثاء ليصدر قرار إيداعها الحبس المؤقت بالمؤسسة العقابية للقليعة، وهذا بعد قيامها بعرض منشورات من شأنها المساس بالمصلحة الوطنية عبر حسابها على موقع للتواصل الاجتماعي”.
هذه هي المحامية التي صرحت بالحقيقة في اول لقائها بعناصر البوليساريو بتندوف ثم طردوها بطريقة مهينة. هل كشفت الحقيقة وهي أن تندوف ليست جزائرية؟
ورغم استدعائها وتلقيها توبيخات وتقريعات من مخابرات عبلة ثم عدلت تصريحاتها بما يرضي النظام العسكري الجزائري و”طبلت” و”غيطت” و”زغردت” و”هتفت” بحياة جنرالات النظام العسكري الجزائري وبحياة لقيطهم الإرهابي زعيم جماعة البوليساريو الارهابية، لم يشفع لها ذلك..
ماذا حدث في تندوف؟
فيما يخص تصريحاتها حول تندوف، كان لها “موقف سياسي عفوي” لم تكن تقيم تداعياته على النظام العسكري الجزائري أدى إلى الوقوع في المحظور، فتم “تكييفه قانونيا” بما تتعامل به السلطات العسكرية الجزائرية.
الخلاف الجوهري الذي وقعت فيه المحامية (أو غيرها من الشخصيات التي تزور المخيمات) لا يتعلق عادة بتصريح مباشر يفيد بأن “تندوف ليست جزائرية” – فهذا التصريح في العرف القانوني والسياسي الجزائري يُصنف فوراً كخيانة عظمى وتنازل عن الوحدة الترابية – بل يكمن في كسر السردية الرسمية المُحكمة.
غالباً ما يتمثل هذا الكسر في الكشف عن واقع المخيمات.
الحديث عن الظروف المعيشية، أو الحقائق الديموغرافية، أو طبيعة السيطرة التي تفرضها جبهة البوليساريو، مما يحرج الخطاب الرسمي الذي يصور الوضع هناك كحركة تحرر مثالية.
الإشارة، ولو عرضاً، إلى أن جبهة البوليساريو تتصرف كدولة داخل دولة في تندوف، يمس بعصب الحساسية الأمنية الجزائرية التي ترفض أي نقاش داخلي حول تكلفة هذا الملف أو تأثيره على السيادة الداخلية.
حتى وإن تراجعت لاحقاً وحاولت التماهي مع الخطاب الرسمي، فإن الأجهزة الأمنية في الجزائر تعتمد مبدأ “الولاء المطلق وغير القابل للشك”، والخطأ في ملف “الصحراء والبوليساريو” يُعتبر خطيئة لا تسقط بالتقادم.
تهمة “عرض منشورات على أنظار الجمهور من شأنها المساس بالمصلحة الوطنية” (والتي تستند غالباً إلى المادة 96 من قانون العقوبات الجزائري):
تهمة مطاطية من التهم الكلاسيكية الفضفاضة التي يُلجأ إليها لتكييف أي فعل أو قول لا يتماشى مع التوجهات السياسية أو الأمنية للسلطة.
“المصلحة الوطنية” هنا غير محددة بدقة، مما يمنح القضاء ومصالح الشرطة القضائية سلطة تقديرية واسعة لزج المعارضين أو حتى الموالين المغضوب عليهم في السجن.
إحالتها على “المثول الفوري” وإصدار أمر الإيداع بالحبس المؤقت قبل المحاكمة (المقررة في 8 يونيو) يعكس إرادة في تسليط عقوبة فورية (الردع الاستعراضي) قبل حتى صدور الحكم النهائي.
هذه الحادثة ليست معزولة، بل هي مؤشر على طبيعة المرحلة الحالية في الجزائر وتداعياتها. النظام العسكري والأمني يمر بمرحلة حساسة جداً، داخلياً وإقليمياً.
لا يوجد أي هامش للمناورة أو التعبير الحر، خصوصاً في الملفات السيادية (كالعلاقات مع المغرب، ملف الصحراء، والوضع في الساحل). أي خروج عن النص—حتى من قبل أشخاص حاولوا التودد للسلطة لاحقاً—يُقابل بالبتر.
سجن محامية معروفة هو رسالة مباشرة لقطاع المحامين، الصحفيين، والأكاديميين: “الخطوط الحمراء لا تُمس، ولا توجد حصانة لأحد”. هذا يخلق حالة من الرقابة الذاتية الشديدة بين النخب.
عدم شفاعة “التطبيل” والتراجع عن التصريحات السابقة يدل على أن الأجهزة الأمنية لا تبني ثقتها على الولاء المستجد، بل تعاقب على الشك. بمجرد أن يوضع شخص ما في خانة “غير الموثوق بهم”، يتم استبعاده أو سجنه عند أول فرصة (أو منشور في هذه الحالة).
استمرار الاعتماد المفرط على المقاربة الأمنية والقضائية لمعالجة القضايا السياسية وتكميم الأفواه، مما يعمق أزمة الشرعية والمؤسسات داخل البلاد، ويزيد من الاحتقان الصامت.
خلاصة القول، قضية لطيفة ديب تتجاوز شخصها لتصبح دراسة حالة لكيفية إدارة السلطة في الجزائر للملفات الجيوسياسية داخلياً.
الإصرار على فرض رؤية أحادية لملف البوليساريو، وتجريم أي نقاش أو كشف للحقائق الميدانية في تندوف، يؤكد أن هذا الملف يعتبر “صندوقاً أسود” يمنع على الجزائريين أنفسهم الاقتراب منه أو تقييم تكلفته على دولتهم.

