ماذا كان يفعل القنصل الجزائري داخل الملعب خلال مباراة أولمبيك أسفي واتحاد العاصمة الجزائري في نصف نهائي كأس”الكاف”؟ تصرفه خرق للقوانين الرياضية والأعراف الدبلوماسية
عبدالقادر كتـــرة
أثار تواجد القنصل العام الجزائري بالدار البيضاء، جودي بلغيث، على أرضية ملعب “المسيرة الخضراء” بآسفي، خلال مباراة إياب نصف نهائي كأس الكونفدرالية الأفريقية (أبريل 2026)، جدلاً واسعاً بسبب طبيعة تدخله في مجريات اللقاء.
تزامناً مع الفوضى التي سبقت اللقاء وتسببت في تأخير انطلاقته، شوهد القنصل الجزائري متواجداً بالقرب من دكة بدلاء اتحاد العاصمة. وقد وثّقت اللقطات توجيهه لتعليمات مباشرة لأفراد البعثة الجزائرية، وتدخله للحديث والتفاوض بالنيابة عنهم مع مسؤولي الاتحاد الأفريقي لكرة القدم المتواجدين في أرضية الميدان.
عقب انتهاء المباراة بنتيجة التعادل الإيجابي (1-1)، والتي حسمت تأهل الفريق الجزائري إلى النهائي لمواجهة الزمالك المصري، نزل القنصل مجدداً إلى المستطيل الأخضر للاحتفال بشكل مباشر مع اللاعبين والطاقم التقني للفريق.
قوبلت هذه التحركات بانتقادات حادة، حيث يُنظر إليها كخروج واضح عن الأعراف والبروتوكولات الدبلوماسية المعمول بها. فالنزول إلى الميدان وتقمص دور إداري أو تفاوضي يتجاوز السلطات التنظيمية المحلية والجهات الأمنية، ويضع الحدث في خانة التدخل السياسي في مجريات منافسة رياضية محضة، وهو ما يخالف حدود وصلاحيات التمثيل القنصلي المعتادة.
هل كان له الحق أن يتواجد على أرضية الملعب؟
لا، لم يكن له الحق في التواجد على أرضية الملعب، وتصرفه يمثل خرقاً مزدوجاً للقوانين الرياضية والأعراف الدبلوماسية.
أولا، التواجد في المستطيل الأخضر (المنطقة 1 أو Zone 1) تحكمه صرامة بالغة، وتمنع القوانين التالية تواجد القنصل أو أي شخصية سياسية فيه.
تحدد لوائح الأمن والسلامة الخاصة بالكاف والفيفا، بصرامة الأشخاص المسموح لهم بالتواجد في أرضية الملعب ومحيطه المباشر، ويقتصر ذلك حصرياً على: اللاعبين المسجلين في ورقة المباراة، الطاقم التقني والطبي المعتمد (بعدد محدد)، حكام اللقاء، مسؤولي الكاف (مثل مندوب المباراة والمنسق العام)، ورجال الأمن المكلفين بحماية الملعب. لا يوجد أي استثناء للدبلوماسيين أو السياسيين مهما علت رتبهم.
من الناحية الجيوسياسية والدبلوماسية، مهام القنصل محددة في رعاية مصالح رعايا دولته وتقديم المساعدة الإدارية لهم.
النزول إلى أرضية ملعب رياضي للتفاوض مع حكام أو مسؤولي “الكاف” يعتبر تجاوزاً جسيماً لصلاحياته، وتدخلاً في شأن تنظيمي يخضع لسلطة الدولة المضيفة والاتحاد القاري (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية (1963)).
ثانياً، هذا السلوك يخلق أزمة تتجاوز مباراة أولمبيك آسفي واتحاد العاصمة، وتداعياتها خطيرة على المشهد الرياضي القاري:
– تسييس كرة القدم: يخرق هذا التصرف المبدأ الأساسي للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) والمادة 14 و15 من قوانينه، والتي ترفض بشكل قاطع أي تدخل حكومي أو سياسي في شؤون الاتحادات والمباريات الرياضية. إقحام السلك الدبلوماسي في إدارة أزمة رياضية على أرضية الملعب يضرب استقلالية اللعبة.
– إرساء سابقة خطيرة: إذا تم التغاضي عن هذا الخرق، فإنه يفتح الباب أمام تدخل السفراء والقناصل والسياسيين في المباريات القارية للضغط على الحكام أو مندوبي المباريات، مما ينسف مبدأ تكافؤ الفرص والنزاهة.
– إرباك البروتوكول الأمني: التدخل المباشر لمسؤول أجنبي في مهام تنظيمية يربك العمل الأمني للجهات المحلية المسؤولة عن سلامة مجريات اللقاء، ويعتبر تعدياً على سيادتها التنظيمية داخل الملعب.
يحق لنادي أولمبيك آسفي (مدعوماً بالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم) تقديم شكوى واحتجاج رسمي وقوي للجنة الانضباط التابعة للكاف. يمكن أن تستند هذه الشكوى إلى النقاط التالية:
– اختراق المنطقة المحظورة (Zone 1): توثيق تواجد شخص غير معتمد في أرضية الميدان.
– الضغط والتأثير المباشر: اتهام الطرف الخصم بالاستعانة بجهة حكومية/دبلوماسية للضغط على مسؤولي المباراة، مما أثر على السير العادي للمنافسة.
– مسؤولية الفريق الضيف: إذا ثبت أن بعثة اتحاد العاصمة هي من سهّلت أو استدعت القنصل للنزول والتفاوض نيابة عنها، فإن الفريق يُعاقب تأديبياً ومالياً لتحريضه على خرق اللوائح.
أخيرا، تعتمد قوة أي دعوى على تقرير مندوب المباراة وحكم الساحة. إذا تم تدوين واقعة نزول القنصل وتعطيله أو تدخله في مجريات اللقاء ضمن التقرير الرسمي، فإن “الكاف” ملزم بفتح تحقيق انضباطي قد يسفر عن عقوبات مالية قاسية أو إدارية ضد الاتحاد الجزائري أو النادي، لضمان عدم تكرار مثل هذا التداخل السياسي في الشأن الرياضي.

