الولايات المتحدة الأمريكية تأمر الجزائر بتفكيك مخيمات تندوف بشكل نهائي في الفترة القادمة وعدم التدخل في الشأن الداخلي لدولة مالي وكذلك القيام باصلاحات ديمقراطية

الولايات المتحدة الأمريكية تأمر الجزائر بتفكيك مخيمات تندوف بشكل نهائي في الفترة القادمة وعدم التدخل في الشأن الداخلي لدولة مالي وكذلك القيام باصلاحات ديمقراطية

عبدالقادر كتـــرة

هذا ما يُتداول حالياً في الكواليس الدبلوماسية وعبر وسائل الإعلام (وخاصة الإقليمية منها)، وذلك عقب اللقاءات المتكررة التي جمعت بين وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف ومسعد بولس (كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية) في الجزائر العاصمة أواخر يناير 2026، ومؤخراً على هامش “منتدى أنطاليا الدبلوماسي” في أبريل 2026.

من المعروف أن الإدارة الأمريكية الحالية (إدارة ترامب) هي التي هندست “الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء” أواخر عام 2020. بالتالي، فإن الدبلوماسية الأمريكية تضغط بقوة لإنهاء هذا النزاع استناداً إلى مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

واشنطن لم تعد تقبل باستمرار الوضع القائم (Status Quo)، وتدفع نحو نزع سلاح جبهة البوليساريو أو دمجها في حل سياسي نهائي يطوي هذا الملف، مما يضع الجزائر (الداعم الرئيسي للجبهة) تحت ضغط هائل.

محاولة الجزائر استخدام  “دبلوماسية الغاز والطاقة” لاستمالة بعض الدول هي استراتيجية معتادة ونجحت نسبياً مع أوروبا (خاصة إيطاليا وفرنسا) بعد الأزمة الأوكرانية.

لكن هذه الورقة تفقد بريقها تماماً أمام الولايات المتحدة؛ فأمريكا اليوم هي أكبر منتج للنفط والغاز (بما فيه الغاز الصخري) في العالم. لذلك، من المنطقي ألا تنجذب واشنطن لهذه العروض، بل وتعتبرها غير كافية لتغيير مواقفها الجيوسياسية.

الولايات المتحدة تنظر بقلق شديد إلى التمدد الروسي (عبر فيلق إفريقيا/فاغنر سابقاً) في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

واشنطن تأمر الجزائر صراحةً باستخدام نفوذها الحدودي والتاريخي لتحجيم هذا التمدد، والتوقف عن أي تكتيكات قد تُعقّد المشهد الأمني في مالي.

أمريكا تربط أمن شمال إفريقيا بأمن الساحل، ولا تريد للجزائر أن تكون نقطة رخوة أو معبراً للنفوذ الروسي.

وغالباً ما تستخدم الإدارات الأمريكية ورقة “حقوق الإنسان والإصلاحات” كأداة ضغط عندما تريد  توجيه سلوك دولة ما في ملفات خارجية. إثارة هذا الموضوع هو تذكير للجزائر بأن واشنطن تراقب الوضع الداخلي ويمكنها استخدامه سياسياً.

لموقف الولايات المتحدة الأمريكية تداعيات على مستقبل الجزائر والمنطقة.

الدبلوماسية الجزائرية تجد نفسها في زاوية ضيقة. الأوراق التقليدية (الغاز، معاداة الاستعمار، الانحياز لروسيا) لم تعد فعالة مع إدارة أمريكية براغماتية وحازمة. الجزائر مطالبة إما بتقديم تنازلات جوهرية في ملف الصحراء وعلاقتها بروسيا، أو مواجهة عزلة دبلوماسية متزايدة من القوة الأولى في العالم.

هذا الضغط الأمريكي، إذا تزامن مع تراجع أسعار الطاقة أو تذبذبها، سيشكل عبئاً على الداخل الجزائري.

المطالبة بـ “إصلاحات ديمقراطية” قد تشجع حركات المعارضة، مما يضع النظام أمام حتمية ترتيب البيت الداخلي لتفادي أي ارتدادات شعبية.

وقد تُجبر هذه الضغوط الجزائر على مراجعة تحالفها الاستراتيجي مع موسكو وبكين، ومحاولة إمساك العصا من المنتصف، وهو أمر يزداد صعوبة في عالم يتجه نحو الاستقطاب الحاد.

من جهة، الضغط الأمريكي الصريح على الجزائر يعني أننا دخلنا مرحلة “العد التنازلي” لحسم نزاع الصحراء. واشنطن ترى أن استمرار جبهة البوليساريو يشكل بؤرة توتر قد تستغلها جماعات مسلحة أو قوى معادية (مثل إيران أو روسيا) للتوغل في شمال إفريقيا.

من جهة ثانية، مع الدعم الأمريكي المفتوح للمغرب، وتضييق الخناق على الجزائر، قد تشهد المنطقة تغيراً في ميزان القوى لصالح الرباط سياسياً وعسكرياً. هذا قد يدفع الجزائر إما إلى القبول بالأمر الواقع والانخراط في تسوية إقليمية، أو (في سيناريو أسوأ) الانغلاق واتخاذ مواقف تصعيدية غير محسوبة.

من جهة أخرى، إذا رضخت الجزائر للضغط الأمريكي ورفعت يدها عن بعض الفصائل في الساحل أو ساهمت في محاصرة الروس، فقد نشهد إعادة تشكيل للتحالفات داخل مالي، مما يضعف المجالس العسكرية الحاكمة هناك ويجبرها على العودة إلى المظلة الغربية أو الإفريقية المعتدلة.

خلاصة القول، الولايات المتحدة تتعامل اليوم مع شمال إفريقيا بمنطق “الحسم” وليس “إدارة الأزمات”.

الإدارة الأمريكية عبر موفديها (مثل مسعد بولس) تنقل رسائل مفادها أن وقت المناورات واللعب على التناقضات الدولية قد انتهى، وأن أمن الساحل وإنهاء نزاع الصحراء هما أولوية أمنية قومية أمريكية، بغض النظر عن المغريات الاقتصادية التي قد تُعرض عليها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *