لَعْنَةُ الْمَوَارِدِ مُقَابِلَ رِهَانِ التَّنْوِيعِ… بَيْنَ ثَرْوَةِ الْأَرْضِ وَثَرْوَةِ الْإِنْسَانِ.. الْأَرْقَامُ الدَّوْلِيَّةُ تَتَحَدَّثُ: لِمَاذَا تَتَرَاجَعُ احْتِيَاطِيَّاتُ الْجَزَائِرِ وَيَرْتَفِعُ رَصِيدُ الْمَغْرِبِ؟

لَعْنَةُ الْمَوَارِدِ مُقَابِلَ رِهَانِ التَّنْوِيعِ… بَيْنَ ثَرْوَةِ الْأَرْضِ وَثَرْوَةِ الْإِنْسَانِ.. الْأَرْقَامُ الدَّوْلِيَّةُ تَتَحَدَّثُ: لِمَاذَا تَتَرَاجَعُ احْتِيَاطِيَّاتُ الْجَزَائِرِ وَيَرْتَفِعُ رَصِيدُ الْمَغْرِبِ؟

عبدالقادر كتـــرة

في عالم سريع التقلب، لم تعد الثروات الطبيعية الكامنة في باطن الأرض وحدها ضماناً للاستقرار الاقتصادي، بل أصبح حسن الإدارة، والتنويع، والاستثمار في الرأسمال البشري هي المفاتيح الحقيقية للنمو المستدام. تتجسد هذه القاعدة الاقتصادية بوضوح عند وضع النموذجين الاقتصاديين للجارين المغاربيين، المغرب والجزائر، في ميزان الأرقام الدولية الموثقة.

تكشف أحدث التقارير الصادرة عن مؤسسات دولية وازنة – أبرزها تقرير منتدى المؤسسات النقدية والمالية الرسمية (OMFIF) لعام 2026 وتقارير صندوق النقد الدولي (IMF) لعام 2025 – عن تباين هيكلي عميق في مسار كلا البلدين، وهو تباين يعكس ضريبة الاعتماد المفرط على المحروقات من جهة، ومكاسب تنويع مصادر الدخل من جهة أخرى.

الجزائر: تراجع مقلق في احتياطيات بلد النفط والغاز

بالرغم من توفر الجزائر على ثروات هائلة من المحروقات، إلا أن المؤشرات المالية الحديثة ترسم صورة قاتمة عن استدامة نموذجها الاقتصادي الحالي.

وفقاً لبيانات منتدى (OMFIF) لعام 2026، شهد بنك الجزائر تراجعاً حاداً في احتياطياته الدولية لتستقر عند 40.4 مليار دولار.

ويمثل هذا الرقم انهياراً سنوياً قدره 24 مليار دولار، أي بانخفاض بلغت نسبته 37%. وقد أدى هذا التنزف المالي إلى تراجع الجزائر بـ 15 مركزاً لتستقر في المرتبة 55 عالمياً من حيث حجم الاحتياطيات.

هذا التراجع السريع ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة حتمية لما يسميه الاقتصاديون بـ”المرض الهولندي”، حيث يتم توجيه عائدات المحروقات لتمويل إنفاق عمومي غير منتج بدلاً من بناء قطاعات اقتصادية بديلة.

ويدعم تقرير صندوق النقد الدولي (موجز مشاورات المادة الرابعة لعام 2025) هذا الطرح؛ إذ يتوقع استمرار عجز الميزانية العامة في مستويات خطيرة تتراوح بين -10.5% و-12.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات القادمة.

كما يشير التقرير إلى مسار تصاعدي ومقلق للدين العام الحكومي، متوقعاً قفزه من 48.5% في عام 2024 ليصل إلى 80.6% بحلول عام 2030. وفي ظل هذا الوضع، يُتوقع أن تتقلص قدرة الاحتياطيات على تغطية الواردات تدريجياً لتصل إلى 3.2 أشهر فقط بحلول عام 2030.

المغرب: رهان التنويع يؤتي ثماره

على النقيض من ذلك، يعكس الأداء المالي للمغرب قصة نجاح مختلفة تعتمد على استثمار “الثروة البشرية” والموقع الجغرافي.

في ظل غياب الثروات النفطية، اختار المغرب الطريق الأصعب والأكثر استدامة: تنويع الاقتصاد، جذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير قطاعات واعدة كصناعة السيارات، الطيران، الفلاحة، والسياحة.

هذا الخيار الاستراتيجي تُرجم بقوة في أرقام عام 2026؛ حيث قفزت الاحتياطيات الدولية لبنك المغرب لتصل إلى 48.9 مليار دولار. وسجلت هذه الاحتياطيات زيادة سنوية ملحوظة بلغت 10.5 مليار دولار، محققة نسبة نمو قدرها 27%. بفضل هذا الأداء، تمكن المغرب من تحسين موقعه بثلاث درجات ليحتل المرتبة 52 عالمياً، بل وصُنف ضمن قائمة أسرع خمسة بنوك مركزية نمواً في احتياطياتها النقدية.

خلاصة الدروس المستفادة

المقارنة بين الجارين لا تهدف إلى تسجيل النقاط، بل لتقديم درس اقتصادي قاسٍ وواقعي: الموارد الطبيعية، مهما بلغ حجمها، يمكن أن تتحول إلى فخ استنزافي إذا غابت الحكامة وتُرك الاقتصاد رهينة لتقلبات أسواق الطاقة الدولية والإنفاق الاستهلاكي الريعي.

وفي المقابل، فإن بناء منظومة اقتصادية مرنة تعتمد على القيمة المضافة، الكفاءات البشرية، والانفتاح التجاري، هو الضمانة الحقيقية لتحصين الدول ضد الهزات المالية المستقبلية وتأمين مستقبل الأجيال القادمة. فبينما تحرق بعض الدول ثرواتها لدعم استهلاك الحاضر، تبني دول أخرى بصمت قطاعات تضمن استقرار المستقبل.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *