مِنَ شُهَدَاءِ الْحَرَائِقِ إِلَى شُهَدَاءِ عَجَلَاتِ الْمَوْتِ وَقَوَارِبِ الْيَأْسِ: التَّكْلِفَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ لِتَجَاهُلِ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ للْأَزَمَاتِ فِي الْجَزَائِرِ وَالْمُوَاطِنُ يَدْفَعُ ثَمَنَ “الْهُرُوبِ إِلَى الْأَمَامِ”
عبدالقادر كتـــرة
– الموت المجاني في ظل الوفرة الوهمية
أكثر من 100 قتيل في ظرف أسبوع واحد على الطرقات الجزائرية؛ حصيلة مفجعة لا تعود إلى كوارث طبيعية مفاجئة أو صراعات مسلحة، بل هي النتيجة المباشرة لسياسات اقتصادية ارتجالية جعلت من “الندرة” عنواناً للمرحلة.
إن مأساة “شهداء العجلات” تكشف النقاب عن خلل بنيوي عميق في تسيير الشأن الاقتصادي؛ ففي الوقت الذي تُسوق فيه الآلة الرسمية لصورة “القوة الضاربة” والبحبوحة المالية بفضل عائدات المحروقات، يجد المواطن نفسه يدفع ضريبة الدم نتيجة قرارات غير مدروسة، مثل المنع العشوائي لاستيراد قطع الغيار والعجلات المطاطية بحجة “حماية احتياطي الصرف”.
– “جمهورية الطوابير” وتآكل القدرة الشرائية
لا تقتصر تداعيات الفشل الاقتصادي على حوادث المرور، بل تمتد لتشمل أدق تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
لقد بات مشهد الطوابير اللامتناهية جزءاً من الهوية البصرية للجزائر في السنوات الأخيرة؛ طوابير للحصول على كيس حليب، وأخرى من أجل عبوة زيت أو كيس سميد.
إن هذه الطوابير المهينة ليست نتاج حصار خارجي أو حالة حرب، بل هي عرض لمرض اقتصادي عضال يتمثل في فشل سلاسل التوريد، وضعف الإنتاج المحلي، وسياسة احتكار الدولة التي عجزت عن تحقيق الأمن الغذائي لبلد شاسع وخصب.
ومع الارتفاع الجنوني في معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية، أصبح همّ المواطن الأول هو تأمين قوت يومه، في ظل اقتصاد ريعي شديد الهشاشة يرتهن كلياً لتقلبات أسعار النفط والغاز.
– التكلفة الإنسانية للارتجال الاقتصادي
إن القرارات الاقتصادية الانغلاقية لم تخلق فقط طوابير الغذاء، بل امتدت لتشل قطاعات حيوية أخرى.
المستشفيات والمراكز الصحية تعاني من نقص حاد في الأدوية الأساسية والمعدات الطبية، مما جعل من رحلة العلاج معاناة إضافية تزيد من آلام المرضى.
وأمام هذا الانسداد الاقتصادي وغياب الآفاق التنموية الحقيقية، لم يجد الآلاف من الشباب خياراً سوى ركوب قوارب الموت نحو السواحل الأوروبية. إن هجرة قوارب الموت (الحراقة) هي في جوهرها تصويت بأقدام الشباب ضد واقع اقتصادي عاجز عن توفير فرص العمل والعيش الكريم، رغم الميزانيات الفلكية التي تُصرف سنوياً دون أثر ملموس على أرض الواقع.
الاستثمار في الوهم للهروب من واقع الأرقام عندما تفشل السياسات الاقتصادية في توفير أبسط متطلبات الحياة، من عجلة سيارة آمنة إلى كيس حليب، تلجأ الأنظمة عادة إلى حيلة سياسية قديمة: “صناعة العدو الخارجي”. عوضاً عن إطلاق ورشات اقتصادية كبرى لتحرير المبادرة الخاصة، وتنويع مصادر الدخل، وإصلاح البنية التحتية المهترئة، يُستنزف الجهد الرسمي والإعلامي في توجيه الأنظار نحو الجار الغربي (المغرب)، وتضخيم نظريات المؤامرة الخارجية.
لكن هذا الخطاب لم يعد قادراً على ملء بطون الجياع في الطوابير، ولا على إعادة الحياة لضحايا الطرقات والحرائق؛ فالمواطن يدرك اليوم، لغة الأرقام والواقع، ويعلم يقيناً أن فشل الإدارة الاقتصادية الداخلية لا يمكن تغطيته بشماعة الخارج.
ختاما، لا سيادة بلا اقتصاد قوي:
إلى أين يسير هذا النهج بالبلاد؟ إن الاستمرار في إدارة الاقتصاد بعقلية الستينيات، وتجاهل الإصلاحات الهيكلية الضرورية، لن ينتج سوى المزيد من الأزمات والندرة والضحايا. رحم الله المتوفين ورزق أهلهم الصبر، لكن العزاء الحقيقي لا يكون إلا ببناء دولة تحترم مواطنيها؛ دولة تقاس قوتها الحقيقية بازدهار اقتصادها، ورفاهية شعبها، واختفاء الطوابير من شوارعها، وتعبيد طرقات تحفظ الأرواح لا أن تحصدها. فالأوطان القوية اقتصادياً لا تحتاج إلى البحث عن شماعات لتعليق فشلها.

