النِّيجَرُ: انْقِلَابٌ دَاخِلَ الِانْقِلَابِ.. يُبَدِّدُ أَحْلَامَ “أُنْبُوبِ الْغَازِ” فِي رِمَالِ السَّاحِلِ الْمُتَحَرِّكَةِ… كَيْفَ يُهَدِّدُ التَّمَرُدُ الْعَسْكَرِيُّ فِي النِّيجَرِ اسْتِثْمَارَاتِ الْجَزَائِرِ وَأَمْنِ الْمِنْطَقَةِ؟

النِّيجَرُ: انْقِلَابٌ دَاخِلَ الِانْقِلَابِ.. يُبَدِّدُ أَحْلَامَ “أُنْبُوبِ الْغَازِ” فِي رِمَالِ السَّاحِلِ الْمُتَحَرِّكَةِ… كَيْفَ يُهَدِّدُ التَّمَرُدُ الْعَسْكَرِيُّ فِي النِّيجَرِ اسْتِثْمَارَاتِ الْجَزَائِرِ وَأَمْنِ الْمِنْطَقَةِ؟

عبدالقادر كتـــرة

في الوقت الذي كانت فيه منطقة الساحل الإفريقي تحاول التكيف مع خريطتها الجيوسياسية الجديدة، استيقظت العاصمة النيجرية نيامي فجر التاسع والعشرين من غشت 2026 على وقع الرصاص والانفجارات.

لم يكن الهجوم قادماً من الحدود المشتعلة، بل من قلب العاصمة؛ تمرداً قاده ضباط شبان ضد المجلس العسكري الحاكم بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني.

هذه الأحداث المتسارعة، التي شهدت محاصرة القصر الرئاسي والسيطرة على مقرات حيوية كالمطار والتلفزيون الرسمي، واعتقال وزراء سياديين، لا تمثل مجرد شأن داخلي نيجري، بل هي زلزال سياسي وعسكري تمتد ارتداداته بقوة نحو دول الجوار، وعلى رأسها الجزائر التي تجد نفسها اليوم أمام تحديات معقدة وحسابات مربكة.

– صراع الأجنحة وفشل الرهان الأمني

تشير المعطيات الميدانية إلى أن التمرد الجديد جاء مدفوعاً بحالة تذمر واسعة داخل صفوف الجيش النيجري جراء الخسائر الفادحة في المعارك ضد الجماعات المسلحة.

وهذا يكشف حقيقة جوهرية: إن تغيير التحالفات الدولية وطرد القوات الغربية واستبدالها بعناصر “الفيلق الإفريقي الروسي” لم يكن عصا سحرية لجلب الاستقرار. فالاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها، في ظل هشاشة المؤسسات وتدهور الأوضاع الاقتصادية، يجعل من الجيوش النظامية نفسها بيئة خصبة للانقسامات والانقلابات المتتالية.

– حلم الغاز العابر للصحراء في مهب الريح

على الصعيد الاقتصادي، تمثل أحداث نيامي ضربة قوية لأحد أهم المشاريع الاستراتيجية في القارة: مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بأوروبا مروراً بالنيجر والجزائر.

رأس المال بطبيعته “جبان” ويبحث دائماً عن الاستقرار. إن تواتر الانقلابات وغياب سلطة مركزية قادرة على تأمين العاصمة – فما بالك بآلاف الكيلومترات من الصحراء المفتوحة – يجعل من تمويل هذا المشروع الضخم وتأمينه مهمة شبه مستحيلة.

هذا الانفلات الأمني يصب في مصلحة المشاريع الإقليمية المنافسة، ويضعف من طموحات الجزائر في التحول إلى الموزع الرئيسي للطاقة الإفريقية نحو أوروبا.

– مفارقة الطائرات العمودية.. سلاح في عين العاصفة

لعل المفارقة الأكثر دراماتيكية في هذا المشهد تتجلى في الدعم العسكري الذي قدمته الجزائر للنيجر قبل أسابيع قليلة فقط.

ففي التاسع من غشت، سلمت الجزائر طغمة نيامي هبة عسكرية ضخمة تضمنت أربع طائرات مروحية عمودية متطورة، بهدف دعم قدرات الجيش النيجري في حماية الحدود المشتركة الممتدة لنحو 950 كيلومتراً ومكافحة الإرهاب.

اليوم، تجد هذه المروحيات نفسها محاصرة في قلب “القاعدة الجوية 101” المحاذية للمطار، والتي شهدت أعنف الاشتباكات بين الفصائل المتمردة والحرس الرئاسي.

الجزائر اليوم تقف أمام سيناريوهات مقلقة: فإما أن تتعرض هذه الأسلحة النوعية للتدمير في تبادل إطلاق النار، أو تقع في أيدي فصيل عسكري جديد قد يوجهها لتصفية حسابات داخلية بدلاً من محاربة الإرهاب.

وفي السيناريو الأسوأ – والأكثر رعباً للمخابرات الإقليمية – قد يؤدي أي انهيار شامل للجيش إلى تسرب هذه المعدات المتطورة إلى أيدي الجماعات المتطرفة النشطة في المنطقة.

– ارتدادات الزلزال

إن ما يحدث في نيامي يتجاوز صراع الجنرالات؛ إنه اختبار قاسٍ للأمن القومي الإقليمي. بالنسبة للجزائر، سقوط جدار الاستقرار في النيجر يعني تحول حدودها الجنوبية إلى بؤرة استنزاف أمني تتطلب استنفاراً عسكرياً دائماً لمنع تسلل الإرهابيين وعصابات الجريمة العابرة للحدود.

أحداث غشت 2026 في النيجر ترسل رسالة واضحة: الاستقرار في منطقة الساحل لا يُبنى بالأسلحة والمرتزقة والاتفاقيات الظرفية، بل ببناء مؤسسات دول قوية قادرة على تلبية طموحات شعوبها. وما لم يتحقق ذلك، ستظل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من الانقلابات، تأكل أبناءها وتهدد جيرانها، وتدفن مشاريع التنمية تحت رمال الصحراء.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *