الْمَغْرِبُ وَإِسْبَانْيَا: شَرَاكَةٌ اسْتْرَاتِيجِيَّةٌ تُعِيدُ صِيَاغَةَ أَمْنِ حَوْضِ الْمُتَوَسِّطِ… لِهَذَا تَسْتَمِيتُ مَدْرِيدُ فِي الدِّفَاعِ عَنْ تَحَالُفِهَا مَعَ الرِّبَاطِ ضِدَّ الضَّجِيجِ السِّيَاسِيِّ لِلْمُعَارَضَةِ

الْمَغْرِبُ وَإِسْبَانْيَا: شَرَاكَةٌ اسْتْرَاتِيجِيَّةٌ تُعِيدُ صِيَاغَةَ أَمْنِ حَوْضِ الْمُتَوَسِّطِ… لِهَذَا تَسْتَمِيتُ مَدْرِيدُ فِي الدِّفَاعِ عَنْ تَحَالُفِهَا مَعَ الرِّبَاطِ ضِدَّ الضَّجِيجِ السِّيَاسِيِّ لِلْمُعَارَضَةِ
عبدالقادر كتـــرة

شهد البرلمان الإسباني مؤخراً مواجهة سياسية لافتة، حين وقف وزير الرئاسة والعدل الإسباني ليدافع بشراسة عن التزام المغرب في إدارة أزمة الهجرة، موجهاً انتقادات لاذعة للمعارضة اليمينية.
هذا المشهد لا يمثل مجرد دفاع ظرفي عن دولة جارة، بل يعكس تحولاً عميقاً في الوعي الاستراتيجي لمدريد؛ فإسبانيا اليوم تدرك أن استقرارها القومي مرتبط عضوياً بشراكتها الاستراتيجية مع الرباط.
في الداخل الإسباني، يحاول اليمين واليمين المتطرف تحويل ملف الهجرة إلى وقود للانتخابات، متجاهلاً التكلفة الدبلوماسية لهذا التصعيد.
هؤلاء يسعون لتسجيل نقاط سياسية ضد حكومة الائتلاف، عبر رسم صورة مغلوطة تتجاهل المجهودات الميدانية الضخمة التي تبذلها السلطات المغربية لضبط شبكات الاتجار بالبشر وتأمين الحدود المشتركة.
لكن بعيداً عن هذا الضجيج الحزبي، تتشكل في غرب المتوسط واقعية سياسية جديدة. الشراكة بين الرباط ومدريد تجاوزت المفهوم التقليدي لحراسة الحدود، لتصبح نموذجاً متكاملاً يعيد رسم السياسات الأوروبية بأكملها. بفضل هذا المحور، بدأت بروكسل تتخلى تدريجياً عن مقاربتها الأمنية البحتة، لتتبنى استراتيجيات أشمل تربط استقرار دول العبور بتمويلات تنموية واستثمارات حقيقية.
يتجاوز التمسك الإسباني بهذا التحالف الهاجس الأمني ليلامس العصب الحيوي للاقتصاد الأوروبي، ألا وهو أمن سلاسل الإمداد. لم يعد هذا المحور مجرد نقطة توقف حدودية، بل تحول إلى منصة لوجستية عالمية تدير تدفقات التجارة الدولية بين ضفتي المتوسط.
التكامل المستمر بين الموانئ الكبرى للبلدين يخلق بنية تحتية بحرية لا غنى عنها في خريطة الملاحة العالمية، مما يجعل استقرار هذا الخط شرطاً أساسياً لضمان انسيابية السلع نحو الأسواق الأوروبية في أوقات الأزمات.
وعلى الصعيد الماكرو-اقتصادي، يكتسي هذا التعاون أهمية قصوى في ظل إعادة رسم خريطة الإمدادات العالمية. إسبانيا، ومن خلفها أوروبا، تنظر إلى المغرب كحلقة وصل موثوقة لتأمين ممرات الطاقة المستقبلية، خاصة مع تسريع الخطى نحو إنجاز مشاريع استراتيجية ضخمة مثل شبكات الغاز الإقليمية العابرة للحدود.
هذه البنى التحتية الطاقية ستعيد تشكيل الديناميات الاقتصادية لتربط عمق دول الساحل وغرب إفريقيا بالشبكة الأوروبية عبر البوابة الإيبيرية.
يتأكد يومًا بعد يوم أن العلاقات المغربية الإسبانية قد غادرت مربع التوجس التاريخي لتدخل حقبة التحالف البنيوي المتين. وبينما تستهلك المعارضة الإسبانية طاقاتها في مناكفات شعبوية محدودة الأفق، تواصل العاصمتان بناء هندسة جيوسياسية صلبة قادرة على الصمود أمام التحولات الدولية.
هذا المحور الممتد من إدارة الموانئ إلى خطوط الطاقة، لم يعد مجرد قصة نجاح ثنائية، بل أصبح حجر الزاوية والبوصلة الحقيقية لأي مقاربة أوروبية تطمح لضمان أمنها القومي واستقرار ممراتها الحيوية الممتدة من سواحل المتوسط إلى عمق الصحراء والساحل الإفريقي.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *