الْجَزَائِرُ: طَائِرَةٌ لِلْوَهْمِ وَنَارٌ لِلْوَطَنِ… بَيْنَ رَمَادِ الْقُرَى وَطَائِرَاتِ الْبُرُوتُوكُولِ: حِينَ تَرْخُصُ أَرْوَاحُ الْمُوَاطِنِينَ الْجَزَائِرِيِّينَ وَطَائِرَةُ رَئِيسِهِمُ الْفَخْمَةُ لِـ”غَالِي” زَعِيمِ عِصَابَةِ الْبُولِيسَارْيُو
في مشهد يلخص الكثير من التناقضات، تقف طائرة رئاسية فخمة تحمل العلم الجزائري لتضع إمكانيات دولة بأكملها تحت تصرف إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو. صورة قد تبدو للوهلة الأولى مجرد بروتوكول سياسي، لكنها في العمق تفتح جرحاً غائراً في الذاكرة القريبة للمواطن الجزائري، وتطرح تساؤلات مشروعة حول بوصلة الأولويات التي تدير مقدرات البلاد.
لا تزال رائحة الخشب المحترق عالقة في ذاكرة الآلاف من الجزائريين، ولا تزال صور السماء التي اصطبغت باللون البرتقالي الدامي في تيزي وزو وبجاية والطارف تطارد من نجوا من جحيم تلك الليالي الصيفية القاسية.
في تلك اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت، تُرك المواطن البسيط ليواجه ألسنة اللهب بصدره العاري، وبأغصان الزيتون، وبدلاء ماء لا تسمن ولا تغني من جوع أمام زحف نيران التهمت قرى بأكملها.
كانت الصرخات تتعالى طلباً للنجدة من السماء، لكن السماء كانت فارغة من طائرات الإطفاء، وممتلئة فقط بدخان كثيف خنق أنفاس الشيوخ والأطفال.
في مقابل مشهد العجز واليأس هذا، تبرز تلك الصورة المستفزة لطائرة الرئاسة الفخمة، المسخرة بكل إمكانيات الدولة اللوجستية والمالية لنقل قيادات جبهة البوليساريو.
هنا، تتجاوز القضية حدود النقد السياسي العابر لتلامس جرحاً إنسانياً وأخلاقياً عميقاً.
فكيف يمكن لأم أن تتقبل تفحم جثث أبنائها وسط النيران بحجة “نقص الإمكانيات الجوية والمادية”، بينما ترى عبر شاشات التلفاز أسطول بلادها الجوي يوضع تحت تصرف شخصيات غير جزائرية لخدمة أجندات خارجية؟
وكيف يشعر الفلاح الذي تحولت حقول وبساتين الزيتون ومواشيه، التي تمثل شقاء أجيال، إلى رماد، حين يدرك أن أموال خزينته العامة تُنفق بسخاء على رحلات استعراضية وتمويل صراعات إقليمية؟
المأساة لم تقتصر على المدنيين العزل، بل امتدت لتخطف أرواح عشرات الجنود الشباب الذين زُج بهم في قلب الجحيم دون غطاء جوي متخصص يحميهم أو يمهد لهم طريق الإنقاذ. هؤلاء الشباب، الذين ينتمون في أغلبيتهم الساحقة إلى الطبقات الشعبية الكادحة، دفعوا حياتهم ثمناً لخلل فادح ومزمن في ترتيب أولويات الدولة.
إن الشعور بالخذلان الذي تجرعه الجزائريون خلال تلك الكوارث المتتالية أشد مرارة وقسوة من النيران ذاتها؛ إنه إحساس قاهر بأن حياة المواطن، وأمنه، وممتلكاته، لا وزن لها في حسابات صناع القرار مقارنة بوهم النفوذ الخارجي.
الدولة التي تمتلك المليارات لتسليح وتمويل ونقل حركات خارج حدودها، تفقد مبرر وجودها الأخلاقي والعقد الاجتماعي الذي يربطها بشعبها عندما تعجز عن توفير طائرة إطفاء واحدة لإنقاذ غابة أو قرية تحترق. الدبلوماسية والشعارات الرنانة عن “القوة الضاربة” لا تطفئ حرقة قلب عائلة شُردت، والسيادة الحقيقية لا تُقاس بالاستعراضات الجوية للحلفاء، بل بقدرة الدولة على حماية أرواح شعبها في أوقات المحن.
الرماد الذي غطى القرى قد تغسله أمطار الشتاء، لكن ندوب تلك الحرائق، وذاكرة التخلي البارد عن المواطنين في أسوأ كوابيسهم، ستظل محفورة كوشم من نار في الوجدان الشعبي الجماعي.
أمام هذا الواقع المأساوي، لم يعد الصمت خياراً بل تواطؤاً. إن النخب الجزائرية، من حقوقيين وإعلاميين وقادة رأي، وفعاليات المجتمع المدني، مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى للخروج من دائرة التنديد الخافت إلى مربع الفعل والمطالبة الصريحة بالمساءلة القانونية والسياسية.
أين تذهب ميزانيات إدارة الكوارث؟ وكيف تُتخذ قرارات تبديد المال العام على أجندات لا ناقة للجزائريين فيها ولا جمل، في حين تُترك الجبهة الداخلية مكشوفة وعزلاء أمام غضب الطبيعة؟
إن أرواح المدنيين والجنود التي أُزهقت وسط النيران ليست مجرد أرقام تُطوى في سجلات النسيان السنوية، بل هي أمانة تستوجب المطالبة بفتح تحقيقات شفافة ومستقلة حول التقصير اللوجستي وتوجيه الموارد.
يجب أن يتحول وجع تلك المحن إلى ضغط شعبي وقانوني واعٍ، يفرض رقابة صارمة على خزينة الدولة، لضمان أن تكون حياة المواطن الجزائري، وتنمية قراه، وحماية غاباته، هي الأولوية القصوى التي لا تقبل المساومة أو التأجيل.

