شَجَاعَةُ الِاعْتِذَارِ وَفَخُّ الْخَوَارِزْمِيَّاتِ: عِنْدَمَا يُسَجِّلُ الْقِسُّ هَدَفًا فِي شِبَاكِ الْفَقِيهِ

شَجَاعَةُ الِاعْتِذَارِ وَفَخُّ الْخَوَارِزْمِيَّاتِ: عِنْدَمَا يُسَجِّلُ الْقِسُّ هَدَفًا فِي شِبَاكِ الْفَقِيهِ

عبدالقادر كتـــرة

ما صدر عن القس “خافيير أيثبون”، كاهن الأبرشية الإسبانية، حول “أزمة المهاجرين في سبتة المحتلة “، يضعنا أمام تساؤل جوهري: كيف يمكن للعالم الرقمي أن يوقظ أسوأ ما في ماضينا؟

فخ التضليل والخوارزميات لم تكن تصريحات الكاهن وليدة قراءة سياسية أو واقعية، بل كانت نتيجة مباشرة لسقوطه في فخ “الأخبار الزائفة”.

وكذلك بدأت “أزمة المهاجربن في سيتة  المحتلة ” بتدخل غير موفق من الدكتور علي القره داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حيث حاول قراءة التدفق غير المسبوق للمهاجرين نحو مدينة سبتة عبر عدسة “نظرية المؤامرة”، رابطاً الحدث بتعقيدات الشرق الأوسط.

فقد ألمح في منشور له إلى أن ما يجري هو عقاب تقف خلفه “أصابع صهيونية” لإسقاط حكومة بيدرو سانشيز الإسبانية، نظير مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية.

لم يكن هذا التحليل مجرد زلة لسان أو قراءة سطحية لواقع مغاربي معقد، بل حمل في طياته خطيئة سياسية كبرى؛ تمثلت في المساس الضمني بالسيادة الترابية للمملكة المغربية، عبر الاعتراف غير المباشر بإسبانية مدينة سبتة المحتلة.

في عالمنا الرقمي المتسارع، لا تعترف الخوارزميات بالمكانة العلمية أو الرمزية الدينية؛ فالجميع أمام فخاخ التضليل سواسية. ولعل الأزمة الأخيرة المرتبطة بتدفق المهاجرين نحو مدينة سبتة المحتلة، قدمت لنا مشهداً سريالياً بامتياز، بطلهما شخصيتان دينيتان من ديانتين مختلفتين: القس الإسباني “خافيير أيثبون”، والدكتور “علي القره داغي”، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

كلاهما سقط في الفخ، وكلاهما اضطر لحذف ما كتبه، لكن الطريقة التي أدار بها كل منهما خطأه تركتنا أمام تساؤل جوهري حول أخلاقيات الاعتذار وثقافة تبرير الأخطاء.

فخاخ العالم الرقمي: بين غرف الصدى ووهم المؤامرة لم تكن تصريحات الكاهن الإسباني حول أزمة المهاجرين وليدة تحليل سياسي، بل كانت نتاج سقوط حر في فخ “الأخبار الزائفة”. لقد قادته خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، التي تتغذى على إثارة المخاوف وصناعة الانقسام، إلى الانخراط في موجة غضب مبنية على مقاطع مجتزأة ومعلومات مضللة.

في المقابل، لم يكن منطلق الدكتور القره داغي عاطفياً، بل سياسياً بامتياز. فقد حاول قراءة الأزمة عبر عدسة “نظرية المؤامرة”، رابطاً حدثاً محلياً بتعقيدات الشرق الأوسط، ليلمح إلى وجود “أصابع صهيونية” تحرك المهاجرين لإسقاط الحكومة الإسبانية عقاباً لها على مواقفها الداعمة لفلسطين.

هذا التحليل استسهل الواقع المغاربي المعقد، وتجاهل الدوافع الاجتماعية والاقتصادية للشباب، ليرمي بكل الثقل على نظرية المؤامرة الجاهزة دائماً لتفسير كل إخفاق أو أزمة في عالمنا العربي.

زلة الجغرافيا والسياسة: عندما تُنسى السيادة لم تتوقف خطيئة رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عند حدود التحليل السطحي، بل امتدت لتمس عصباً حساساً في الوجدان المغربي.

ففي غمرة حماسه لربط الأزمة بحرب غزة، سقط في خطيئة جيوسياسية كبرى؛ إذ اعترف ضمنياً بإسبانية مدينة سبتة المحتلة، معتبراً إياها ورقة ضغط تُستهدف من الخارج. لقد أثبتت هذه الزلة أن بعض القيادات الدينية العابرة للحدود غالباً ما تفتقر إلى الفهم العميق للخصوصيات الوطنية، وأن محاولة “فلسطنة” كل أزمة تقع في المنطقة هي مصادرة لحق الدول في معالجة قضاياها السيادية بعيداً عن الشعارات الرنانة.

أخلاقيات الاعتذار: الدرس القادم من الكنيسة هنا يبرز الفارق الشاسع بين الرجلين. عندما أدرك القس الإسباني أنه كان ضحية تضليل رقمي، بادر فوراً إلى حذف تصريحاته، وخرج باعتذار صريح وواضح لا لبس فيه، متحملاً مسؤوليته الأخلاقية ومعترفاً بقصوره البشري. أما العالم المسلم، وأمام عاصفة الغضب المغربية، فقد اختار نصف الطريق. حذف التغريدة، لكنه استبدلها بـ “توضيح وتبرير” حاول من خلاله الالتفاف على الخطأ، مفضلاً المراوغة اللفظية على الاعتذار الصريح عن المساس بالسيادة الترابية للمغرب.

منعت المكانة الاعتبارية والاعتداد بالمنصب صاحبنا من الانحناء لعاصفة الانتقادات بشفافية.

وكما عبر أحد المتابعين بذكاء وبلاغة: “لقد سجل المسيحي هدفاً في شباك المسلم”.

خلاصة القول، لم تكن هذه الأزمة مجرد زوبعة في فنجان “السوشيال ميديا”، بل كانت امتحاناً أخلاقياً بامتياز.

لقد علمتنا أن الجلوس على قمة المؤسسات الدينية لا يمنح العصمة، وأن العالم الرقمي قادر على كشف هشاشة قناعاتنا في لحظة تفاعل غير محسوبة.

الأهم من ذلك كله، أكدت هذه الحادثة أن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في عدم ارتكاب الأخطاء، بل في القدرة على التجرد من كبرياء المناصب والوقوف أمام الجمهور للقول بكل بساطة: “لقد أخطأت.. وأنا أعتذر”.

فضيلةٌ، يبدو أننا بحاجة لتعلمها من جديد.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *