صَيْفُ 2026 الْأَسْوَدُ فِي الْجَزَائِرِ: حِينَ تُحْرِقُ الْإِخْفَاقَاتُ السِّيَاسِيَّةُ غَابَاتِ الْجَزَائِرِ وَأَرْوَاحَ أَبْنَائِهَا… حَرَائِقُ، حَوَادِثُ، وَمَآسٍ وَالْحُكُومَةُ الْجَزَائِرِيَّةُ تَتَحَوَّلُ إِلَى مُجَرَّدِ “مُنَظِّمِ جَنَازَاتٍ”
عبدالقادر كتـــرة
شهدت الجزائر خلال صيف 2026 سلسلة كوارث متتالية جعلته الصيف الأكثر دموية وحزناً في الذاكرة المعاصرة للبلاد.
لم تكن الكارثة مقتصرة على غضب الطبيعة أو الحوادث العرضية، بل تجسدت في العجز الهيكلي عن حماية أرواح المواطنين.
من فاجعة حريق ميتم المحمدية، مروراً بحوادث الحافلات المهترئة التي حصدت أرواح العشرات، وصولاً إلى حرائق الغابات المروعة في ولايات جيجل وبجاية، وجد الجزائريون أنفسهم في مواجهة الموت دون غطاء حماية أو نظام إنذار مبكر يجنبهم الكارثة.
المقابر الجماعية تكذب الأرقام الرسمية
في الوقت الذي حاولت فيه الرواية الرسمية تقزيم حجم الكارثة عبر الإعلان عن حصيلة ضحايا ضئيلة لا تعكس الواقع، فضحت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام البديل حجم المأساة الحقيقية.
الصور ومقاطع الفيديو المتداولة، وتحديداً مشاهد الخنادق الترابية الممتدة التي تحولت إلى مقابر جماعية تضم عشرات التوابيت المغطاة بالعلم الوطني، تقف شاهداً على واقع مروع يرفض النظام الاعتراف به.
هذه المشاهد القاسية تعكس انهياراً جذرياً في الثقة بين المواطن الذي يدفن أبناءه، والمسؤول الذي يصر على إخفاء شمس الحقيقة بغربال الأرقام المغلوطة.
جذور الفشل: غياب الاستباقية والبنية التحتية تجلت أزمة التسيير في أبسط متطلبات السلامة المدنية، ويمكن تلخيص هذا الإخفاق في محاور واضحة:
– انعدام التغطية الميدانية: مناطق جبلية وغابوية شاسعة ومكتظة بالسكان تُركت لمصيرها، حيث تفتقر العديد من البلديات (مثل 17 بلدية في جيجل وحدها) إلى ثكنات محلية للحماية المدنية، مما يجعل سرعة الاستجابة شبه مستحيلة وتستغرق ساعات بدل دقائق.
– فضيحة طائرات الإطفاء: استمرار التعنت في رفض بناء أسطول قوي من طائرات الإطفاء المتخصصة (مثل الكنادير)، والاكتفاء بحلول ترقيعية أو طائرات محدودة العدد لا تلبي نداء الاستغاثة لبلد شاسع.
– غياب خطط الإخلاء: تُرِك المواطنون يديرون عمليات إجلائهم ذاتياً بالاعتماد على تحذيرات منصات التواصل الاجتماعي، في ظل غياب تام لأنظمة الإنذار المبكر والتوجيه الرسمي.
– تهالك البنية التحتية: من انقطاعات الكهرباء العشوائية التي أدت لكارثة الميتم، إلى أزمة قطع الغيار التي ضاعفت حوادث الطرقات، تبدو كل كارثة كنتاج مباشر لقرارات إدارية كارثية.
دولة غنية ومواطن أعزل
من المفارقات الصارخة أن هذه المآسي تقع في دولة تمتلك ثروات هائلة واحتياطيات ضخمة، تُستنزف غالبيتها في بروباغندا إعلامية للترويج لشعارات “القوة الضاربة” وصراعات جيوسياسية وهمية.
في المقابل، تكتفي الحكومة عند كل فاجعة بدور “منظم الجنازات” وموزع التعازي، متجاهلة أن دور الدولة الأساسي هو استباق الكوارث، وتخصيص الميزانيات لحماية الأرواح قبل وقوع الفأس في الرأس.
إلى متى سيستمر المواطن الجزائري في دفع فاتورة هذا العجز من دمه؟ سؤال يفرض نفسه في صيف كشف أن أخطر النيران ليست تلك التي تلتهم الأشجار، بل تلك التي تنخر في جسد نظام يرفض مواجهة إخفاقاته.

