جَامِعَةٌ عَرَبِيِّةٌ مَشْلُولَةٌ وَاتِّحَادٌ مَغَارِبِيٌّ مَوْؤُودٌ… كَيْفَ أَسَّسَتِ الْبَرَاغْمَاتِيَّةُ لِجِيلٍ جَدِيدٍ مِنَ التَّحَالُفَاتِ، وَلِمَاذَا اخْتَارَتِ الرِّبَاطُ التَّحْلِيقَ خَارِجَ السِّرْبِ الْعَرَبِيِّ؟

 جَامِعَةٌ عَرَبِيِّةٌ مَشْلُولَةٌ وَاتِّحَادٌ مَغَارِبِيٌّ مَوْؤُودٌ… كَيْفَ أَسَّسَتِ الْبَرَاغْمَاتِيَّةُ لِجِيلٍ جَدِيدٍ مِنَ التَّحَالُفَاتِ، وَلِمَاذَا اخْتَارَتِ الرِّبَاطُ التَّحْلِيقَ خَارِجَ السِّرْبِ الْعَرَبِيِّ؟
عبدالقادر كتـــرة

جاء في إحدى المقالات لموقع إلكتروني في تشرذم حالة الدول العربية وتمزقها وصراعاته الخفية والظاهرة بينها وشلل ما يسمى بجامعة الدول العربية: “نضع الموقف العربي محل نقاش، كي نفهم السبب الذي يجعل الدول العربية و الإسلامية تنقسم على نفسها، و منها من فضل الصمت حفاضا على صداقته مع إسبانيا و منها من هاجم المغرب إنتقاما أو حقدا، لكن قضية سبتة أثبتت أن الصف العربي مخترق و مشروخ و منهك و مهتوك الروابط…، و أن الرباط حين أعلنت أن الجامعة العربية أصبحت مشروعا فاشلا كاتحاد المغرب العربي، ورفضت استضافت قممه، وقررت البحث عن تحالفات خارج الصندوق…، فسلطاتها كانت تعرف أن المستقبل يحتاج إلى تحالفات قوية ومخيفة، و كان لديهم اليقين بأن العرب سيخونونهم في أول إختبار للإنتماء”.
التجمع الوحيد المشلول في العالم هو تجمع العرب أي الجامعة العربية التي كان من المفروض أن تلقب ب”المفرقة” أو “ساحة التنابز والتلاسن والتصارع والتنافر” بين العرب، حيث تجتمع العرب على البحث عن التصالح لتتفرق قبة أن تتصارع مثل الثيران لتعود في اجتماع لمؤاخذة بعضهم البعض واللعب على مسرحية التصالح وهكذا دواليك وصدق من قال : “اتفق العرب على ألا يتفقوا”، اضف عليها “اتحاد المغرب العربي الكبير” الذي ولد ميتا وقبل أن يتم إنعاشه ليستفيق تم وأده مرة ثانية ونهائية.. ولا يسجل على هذا تجمع الجامعة العربية أن أخذ قرارا واحدا وطبقته العرب إذ جعل من مواقفهم أضحوكة العالم وتفاهتها وصبيانيتها ولا يلتفتون إليها ولا يعيرونها أي اهتمام  وعدم أخذها محل الجد بل صاروا مسخرة ومهزلة تنطبق عليهم مقولة الشاعر: “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”…
لعقود طويلة، عاش العقل السياسي العربي أسير رومانسية حالمة، تتغنى بشعارات الوحدة والمصير المشترك، بينما كان الواقع على الأرض يكتب سيناريوهات مغايرة تماماً.
اليوم، لم يعد خافياً على أحد أن مقولة “اتفق العرب على ألا يتفقوا” لم تعد مجرد بيت شعر أو نكتة سياسية نتداولها في مجالسنا، بل أصبحت التوصيف الأدق لمنظومة إقليمية فقدت بوصلتها.
وبين جامعة دول عربية تحولت إلى ما يشبه “ساحة للتنابز والتصارع”، واتحاد مغاربي ولد ميتاً، تجد الدول التي تبحث عن مستقبلها نفسها مجبرة على إعادة تقييم تحالفاتها، والخروج من عباءة “الأخوة العاطفية” إلى فضاء “الواقعية السياسية”.
وهم التكتلات العاطفية واختبارات الواقع
لقد أثبتت الأزمات المتتالية، ولعل أبرزها المواقف المتباينة خلال أزمة سبتة، أن الصف العربي مخترق، منهك، ومهتوك الروابط.
في لحظات الحسم، حيث يُنتظر التضامن الفعلي، اختارت بعض العواصم الصمت حفاظاً على مصالحها الاقتصادية مع القوى الأوروبية، بينما سارع آخرون إلى تصفية حسابات ضيقة.
هذا المشهد ليس مفاجئاً لمن يقرأ الخريطة الجيوسياسية بعمق؛ فالجامعة العربية، التي كان يُفترض أن تكون درعاً وحصناً، تحولت بسبب هيكليتها العقيمة وآلية “الإجماع” المعطلة إلى مؤسسة لإنتاج البيانات الجاهزة. أصبحت القمم العربية في نظر الكثيرين أقرب إلى مسرحيات دورية، تبدأ بعناق أمام الكاميرات وتنتهي بخلافات أعمق في الكواليس، ما جعل هذه المنظومة، كما وصفها البعض، “أضحوكة” في نظر القوى الدولية التي لا تحترم إلا لغة المصالح والقوة.
الرباط.. والبحث عن تحالفات خارج الصندوق أمام هذا العجز الهيكلي، كان لزاماً على الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية أن تتخذ قرارات حاسمة. المغرب، على سبيل المثال، أدرك مبكراً أن الرهان على منظومات إقليمية مشلولة هو رهان خاسر. لقد كان قرار الرباط بتقليص التعويل على الجامعة العربية واتحاد المغرب العربي، والبحث عن شراكات بديلة، خطوة تعكس نضجاً سياسياً عالياً، واستيعاباً لمتطلبات القرن الحادي والعشرين.
لقد فهم صانع القرار أن المستقبل لا يبنى بالقصائد، بل بالتحالفات القوية والبراغماتية. ومن هنا، رأينا تحولاً جذرياً في العقيدة الدبلوماسية نحو:
– العمق الإفريقي: الاستثمار في القارة السمراء ليس فقط كروابط تاريخية، بل كشراكات اقتصادية وأمنية رابحة تحول القارة إلى درع استراتيجي.
– تنويع الشركاء الدوليين: التوجه نحو عقد تحالفات ثنائية صلبة مع قوى كبرى (كالولايات المتحدة، بريطانيا، الصين، والهند)، تتجاوز لغة المجاملات إلى صفقات نقل التكنولوجيا، التسلح الحديث، والاعترافات السيادية.
– التحالفات الأمنية الدقيقة: بناء شراكات دفاعية لا تعترف بالحدود الأيديولوجية القديمة، بل تهدف إلى حماية الأمن القومي ومواجهة التحديات الإقليمية بشراسة.
نهاية حقبة وبداية أخرى إن الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من هذا التفكك العربي، هو أن الدول لا تدار بالعواطف، وأن التحالفات البراغماتية هي طوق النجاة الوحيد في عالم يزداد استقطاباً.
الكيانات التي ستنجو وتزدهر في العقود القادمة هي تلك التي تملك الجرأة للخروج من “صندوق” الشعارات المفرغة، لتبني شبكة معقدة من المصالح المتبادلة مع من يقدم قيمة مضافة حقيقية لاقتصادها وأمنها. أما الاستمرار في انتظار معجزة تحيي تكتلات ماتت إكلينيكياً، فهو مجرد تضييع للوقت والفرص في زمن لا يرحم المتخلفين عن الركب.
لقد انتهى زمن التحالفات المبنية على اللغة أو الجغرافيا وحدها، وبدأ عصر التحالفات المبنية على الأرقام، التكنولوجيا، والأمن القومي الصارم. ومن لم يفهم هذه المعادلة بعد، سيظل حبيس مقولة الشاعر: “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *