عَسْكَرَةُ الْفَضَاءَاتِ الْمَدَنِيَّةِ بِالْجَزَائِرِ: بِسَبَبِ مُلاحَظة “خَدَمَاتُ مَطَارِ مُحَمَّدٍ الْخَامِسِ بِالدَّارِ الْبَيْضَاءِ أَحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِنْ هَذَا الْمَطَارِ”، الْأَمْنُ الْجَزَائِرِيُّ يَعْتَقِلُ عَائِلَةً مُورِيتَانِيَّةً ويُّحَقق معها

عَسْكَرَةُ الْفَضَاءَاتِ الْمَدَنِيَّةِ بِالْجَزَائِرِ: بِسَبَبِ مُلاحَظة “خَدَمَاتُ مَطَارِ مُحَمَّدٍ الْخَامِسِ بِالدَّارِ الْبَيْضَاءِ أَحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِنْ هَذَا الْمَطَارِ”، الْأَمْنُ الْجَزَائِرِيُّ يَعْتَقِلُ عَائِلَةً مُورِيتَانِيَّةً ويُّحَقق معها

عبدالقادر كتـــرة

في العُرف الدولي، تُعد المطارات بوابات الدول وواجهاتها الحضارية الأولى؛ فهي مساحات مدنية وتجارية صُممت لتسهيل حركة المسافرين وربط الجغرافيا. لكن أن يتحول تقييم عابر لجودة الخدمات داخل صالة “ترانزيت” إلى تهمة تستوجب استنفار الأجهزة الأمنية والاحتجاز، فهنا تقف المفارقة الصارخة التي تسائل طبيعة الإدارة وعمق الأزمات النفسية والسياسية الموجهة لمؤسسات يفترض أنها مدنية.

في واقعة غريبة شهدتها أروقة مطار هواري بومدين بالجزائر العاصمة مؤخراً، وجد خمسة مسافرين موريتانيين من عائلة واحدة أنفسهم رهن الاحتجاز والاستجواب لساعات.

التهمة لم تكن خرقاً أمنياً ولا تجاوزاً قانونياً، بل مجرد جملة عفوية نطق بها أحدهم تعبيراً عن امتعاضه من غياب مكاتب الصرف وسوء الخدمات، قائلاً لعامل نظافة: “خدمات مطار محمد الخامس بالدار البيضاء أحسن بكثير من هذا المطار” .

هذه المقارنة البسيطة، التي يمارسها ملايين المسافرين يومياً عبر العالم كجزء من حق المستهلك في التقييم، كانت كافية لاستدعاء الشرطة واقتياد المسافرين الموريتانيين إلى غرف التحقيق، حيث لم يُفرج عنهم إلا قُبيل موعد رحلتهم المتجهة إلى نواكشوط.

فوبيا المقارنة والتوجس الأمني

بعيداً عن تفاصيل الحادثة، يحمل هذا السلوك دلالات جيوسياسية وسيكولوجية عميقة. إن تحويل المطارات إلى فضاءات أمنية يتم فيها تفتيش “نوايا” المسافرين ومحاسبتهم على آرائهم الشخصية، يعكس حالة من الحساسية المفرطة والتوجس المرضي تجاه كل ما يمت بصلة للمملكة المغربية.

لقد أثبتت الواقعة أن اسم “الدار البيضاء” بات يشكل عقدة تتجاوز الحقل الدبلوماسي لتلقي بظلالها على التدبير الإداري والخدماتي في الجزائر. فبدلاً من أن يكون المطار أداة لتعزيز “القوة الناعمة” وجذب المسافرين الأفارقة، تحول إلى مصيدة تنفر شعوب الجوار، وتفضح تناقضاً حاداً بين الخطاب الرسمي الذي يدعي “الأخوة وحسن الجوار” وبين الممارسة الميدانية التي تتسم بالاستعلاء والمقاربة البوليسية.

تكتسب هذه الحادثة أبعادها الحقيقية عند وضعها في ميزان المقارنة الإقليمية. فالمواطن الموريتاني الذي وجد نفسه محتجزاً في العاصمة الجزائرية بسبب رأي، هو نفسه المواطن الذي يجد أبواب المغرب مشرعة أمامه دون حواجز نفسية أو أمنية.

تستقبل المملكة المغربية سنوياً الآلاف من الأشقاء الموريتانيين؛ سواء عبر مطار محمد الخامس الذي يُعد الشريان الجوي الأول للموريتانيين نحو العالم، أو عبر معبر الكركرات البري. يتوافد الموريتانيون على المغرب للسياحة، والتجارة، واستكمال الدراسات العليا، وتلقي العلاجات الطبية، مندمجين في نسيج مجتمعي يجمعهم به تاريخ مشترك، وروابط ثقافية واقتصادية متينة. في المغرب، لا يُعامل الموريتاني كـ”ورقة سياسية” للمساومة، بل كشريك وعمق استراتيجي حقيقي.

تداعيات عكسية ومسار مأزوم

إن التداعيات المباشرة لمثل هذه الممارسات التعسفية لا تقتصر على إهانة مسافرين بسطاء، بل تمتد لتضرب في الصميم أي طموحات جزائرية للتحول إلى مركز عبور “هاب” (Hub) قاري.

فالمسافر الإفريقي، والموريتاني على وجه الخصوص، يبحث عن الكرامة، والسلاسة، والخدمة الاحترافية؛ وهي عناصر تنتفي تماماً في بيئة تعاقب على حرية التعبير بالاحتجاز.

خلاصة القول، أثبتت حادثة مطار هواري بومدين أن بناء النفوذ الإقليمي لا يتم بالشعارات ولا بمحاولات فرض الأمر الواقع عبر المضايقات، بل يُبنى بتعزيز الثقة، واحترام كرامة الأفراد، وتطوير البنى التحتية بعقلية منفتحة. وبين الانفتاح المغربي الذي يرسخ شراكات حقيقية، والتوجس الأمني الذي يفتعل الأزمات من العدم، يبقى الرأي العام الموريتاني والإفريقي هو الحكم الأول والأخير.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *