تُونِسِيَّةٌ تَفْضَحُ جَزَائِرِيَّةً تَعْرِضُ مُنْتُوجًا تُونِسِيًّا فِي رِوَاقٍ: “من يَتَغَطَّى بِتُرَاثِ غَيْرِهِ يَبْقَى عَارِيًا”: سِيكُولُوجِيَّةُ الِاسْتِحْوَاذِ… سَرِقَةُ التُّرَاثِ، الْكَذِبُ الْمُزْدَوِجُ، وَالْبَحْثُ عَنْ هُوِيَّةٍ مَفْقُودَةٍ

تُونِسِيَّةٌ تَفْضَحُ جَزَائِرِيَّةً تَعْرِضُ مُنْتُوجًا تُونِسِيًّا فِي رِوَاقٍ: “من يَتَغَطَّى بِتُرَاثِ غَيْرِهِ يَبْقَى عَارِيًا”: سِيكُولُوجِيَّةُ الِاسْتِحْوَاذِ… سَرِقَةُ التُّرَاثِ، الْكَذِبُ الْمُزْدَوِجُ، وَالْبَحْثُ عَنْ هُوِيَّةٍ مَفْقُودَةٍ

عبدالقادر كتـــرة

في عصر الانفتاح الرقمي وسرعة تداول المعلومات، لم يعد بالإمكان إخفاء الحقائق أو تزوير التاريخ والتراث بسهولة. ومع ذلك، لا تزال تبرز بين الحين والآخر حوادث غريبة ومستهجنة، تعكس إصراراً غير مفهوم على طمس هويات الجيران الثقافية والاستيلاء عليها.

الحادثة الأخيرة التي شهدت عرض سيدة جزائرية لمنتج تونسي أصيل (السلطة المشوية) في رواق بلد أجنبي، ونسبته إليه، ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من الممارسات التي باتت تشكل نمطاً سلوكياً يثير الكثير من التساؤلات حول الدوافع النفسية والمجتمعية الكامنة وراء هذا “الهوس”.

المواجهة والتناقض: سيكولوجية الكذب المزدوج

المثير في هذه الحادثة، وما شابهها من حوادث تتعلق بالسطو على التراث المغربي أو التونسي، ليس فقط فعل الاستحواذ نفسه، بل ذلك الارتباك الأخلاقي والسلوكي الذي يرافقه.

ففي مقطع الفيديو المتداول، شاهدنا كيف تراجعت السيدة واعتذرت بصدق عندما واجهتها صاحبة الحق التونسية، معترفة بخطئها. لكن، وبمجرد زوال المواجهة المباشرة، عادت لتنقلب على عقبيها وتتبرأ من اعتذارها، مدعية أنها تعرضت للضغط أو “التهديد”، بل ومقدمة اعتذاراً لجمهورها المحلي على عدم إصرارها على الكذبة!

هذا التناقض الصارخ يعكس حالة من “السيكوباتية” المجتمعية لدى ممارسي هذا السلوك؛ حيث يغيب الشعور الحقيقي بالذنب، ويتم تبرير الخطأ ببرود شديد.

الأدهى من ذلك هو الرضوخ لضغط رأي عام داخلي يبدو أنه يغذي ويشجع هذه الممارسات، معتبراً التراجع عن سرقة تراث الآخرين “هزيمة”، والإصرار على الباطل “انتصاراً”.

عقدة النقص والبحث عن الذات في جيوب الآخرين

إن محاولات السطو المستمرة على القفطان، الكسكس، الزليج، أو حتى الأطباق الشعبية كـ”السلطة المشوية”، لا يمكن تفسيرها إلا من خلال سيكولوجية “عقدة النقص” والبحث المضني عن هوية تراثية ضخمة.

بدلاً من الغوص في الذات وتثمين الموروث المحلي – مهما كان حجمه – يتم اللجوء إلى الطريق الأسهل: الاستيلاء على ما أبدعه الجيران عبر قرون من الزمن.

تتجلى حالة “الحمق” والإنكار في تبريرات واهية ومضحكة، كأن يقال إن استخدام طماطم أو فلفل مستورد يلغي أصل الطبق التونسي ويجعله ملكية لمن طهاه! إنها محاولات بائسة لتغطية عورة الافتقار للإبداع الأصيل، مصداقاً للمثل التونسي البليغ: “من يتغطى بمتاع غيره يبقى عارياً”.

صناعة الوهم والإضرار بالصورة الجماعية

إن تحول هذا السلوك المشين، الذي يتسم بالنفاق وازدواجية المعايير، إلى ممارسة شبه يومية يوثقها الفاعلون بأنفسهم، يمثل ضربة قاضية لصورتهم أمام المجتمع الدولي.

فبدل أن يُعرف البلد بما ينتجه أو يبتكره، باتت تتشكل صورة نمطية سلبية تربط بين هذه الممارسات وبين الاستلاب وانعدام الأمانة الثقافية.

لقد أصبح العالم ينظر بشفقة واستغراب إلى هذه المحاولات اليائسة لتبني منتجات وموروثات دول الجوار، وكأن لسان حال ممارسيها يقول: “لا نملك ما يكفي، فلنأخذ ما لدى غيرنا وندعي أنه لنا”.

ختاما، التراث والثقافة هما نتاج تراكم تاريخي، إبداع متواصل، وتفاعل مجتمعي عميق، ولا يمكن أبداً استنساخهما أو سرقتهما بوضع لافتة جديدة عليهما.

إن ظاهرة السطو الثقافي، بكل ما تحمله من زيف ونرجسية مرضية، لن تنجح في تزوير التاريخ أو طمس أصول الأشياء. بل على العكس، ستظل هذه الممارسات تفضح أصحابها، وتؤكد يوماً بعد يوم أن الأصالة لا تُشترى، وأن الهوية لا تُبنى على حساب سلب الآخرين حقوقهم.

على العقلاء أن يدركوا أن بناء الأمم يبدأ باحترام الذات واحترام منجزات الجيران، وليس بالسطو عليها تحت جنح الادعاءات الباطلة.

فيديو للمشاهدة

 

 

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *