«عَدَالَةُ الشَّارِعِ» فِي أَزِقَّةِ بَرْشَلُونَةَ: جَرَسُ إِنْذَارٍ يُهَدِّدُ عَاصِمَةَ السِّيَاحَةِ الْأُورُوبِّيَّةِ بِسَبَبِ اسْتِفْحَالِ ظَاهِرَةِ اللُّصُوصِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرِ الشَّرْعِيِّينَ

«عَدَالَةُ الشَّارِعِ» فِي أَزِقَّةِ بَرْشَلُونَةَ: جَرَسُ إِنْذَارٍ يُهَدِّدُ عَاصِمَةَ السِّيَاحَةِ الْأُورُوبِّيَّةِ بِسَبَبِ اسْتِفْحَالِ ظَاهِرَةِ اللُّصُوصِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرِ الشَّرْعِيِّينَ
عبدالقادر كتـــرة

في قلب مدينة برشلونة الإسبانية، وتحديداً في أزقة حي “رافال” العريق الذي يعج يومياً بآلاف الزوار، تحولت رحلة سياحية إلى مشهد أقرب إلى أفلام الحركة.
مقطع فيديو قصير، لم تتجاوز مدته الدقيقة، كان كافياً لإعادة إشعال النقاش العام حول ملف شائك يؤرق السلطات والسكان على حد سواء: الانفلات الأمني وظاهرة سرقة السياح.
يُظهر المقطع الذي اجتاح منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً، سائحاً أجنبياً في حالة غضب شديد، وهو يطرح شاباً من المهاجرين الجزائريين غير النظاميين، أرضا ً ويثبته بقوة بجانب حاويات القمامة في أحد الشوارع المظلمة.
وسط صرخاته المتكررة باللغة الإسبانية “أعطني ساعتي!”، يتضح أن السائح قرر التخلي عن دور “الضحية” ليتقمص دور “الشرطي والجلاد” في آن واحد، بعد تعرضه لسرقة ساعته الفاخرة من قبل مجموعة لصوص، تمكن من الإيقاع بأحدهم واحتجازه بالقوة حتى وصول عناصر الشرطة الكتالونية .
ظاهرة “صائدي الساعات”
هذا الحادث ليس معزولاً، بل هو حلقة جديدة في مسلسل يومي تعيشه المقاطعات السياحية في برشلونة، وخاصة مقاطعة “ثيوتات فيا”. لقد تطورت الجريمة في هذه المناطق لتفرز عصابات متخصصة تُعرف محلياً بـ”سارقي الساعات”.
تعتمد هذه العصابات، التي تُشير تقارير ومصادر أمنية إلى أن نسبة كبيرة من أفرادها هم من المهاجرين الجزائريين أو ذوي السوابق المتعددة، على تكتيكات مدروسة. فهم لا يعملون فرادى، بل في مجموعات منظمة؛ يتولى الأول تشتيت انتباه الضحية أو افتعال احتكاك جسدي، بينما ينتزع الثاني الساعة بخفة وعنف، في حين يتدخل الثالث لعرقلة السائح وتأمين طريق الهرب.
خطر “عدالة الشارع”
رغم التعاطف الشعبي الواسع الذي حصده السائح في تعليقات رواد الإنترنت، والذين رأوا في تصرفه انتصاراً للحق ورداً طبيعياً على تراخي السلطات، إلا أن الحادثة تدق ناقوس الخطر. لجوء المواطنين أو الزوار إلى استيفاء حقوقهم بأيديهم يُعد مؤشراً خطيراً على اهتزاز الثقة في سرعة ونجاعة التدخل الأمني.
إن “عدالة الشارع” تحمل في طياتها مخاطر كارثية؛ فاللص المحاصر قد يكون مسلحاً بآلة حادة تستخدم في لحظة يأس، ما قد يحول جريمة سرقة بسيطة إلى جناية قتل.
من جهة أخرى، قد يجد الضحية نفسه في قفص الاتهام أمام القضاء الإسباني بتهمة استخدام القوة المفرطة أو الاعتداء الجسدي، لتنقلب الموازين القانونية ضده.
القانون في قفص الاتهام
إن غضب السائح في حي “رافال” هو انعكاس لإحباط مجتمعي أوسع. الأصوات ترتفع في إسبانيا اليوم منتقدة “التساهل القضائي” مع ظاهرة “العودة للجريمة”.
ففي كثير من الأحيان، يتم توقيف هؤلاء اللصوص ليلقوا بأنفسهم خارج أسوار المخفر بعد ساعات قليلة، مستفيدين من ثغرات قانونية تصنف هذه السرقات (إذا تمت دون سلاح) كجنح خفيفة لا تستوجب الاعتقال الاحتياطي المطول، ليعودوا في اليوم التالي لاصطياد ضحية جديدة.
تداعيات لا يمكن تجاهلها
الاقتصاد في برشلونة يتنفس عبر رئة السياحة. وانتشار مثل هذه المقاطع التي توثق “عنف الشوارع” وانعدام الأمان، يشكل ضربة موجعة للسمعة العالمية للمدينة. السائح الذي يبحث عن الاستجمام والراحة لن يختار وجهة تضطره لممارسة الفنون القتالية لحماية ممتلكاته الشخصية.
لابد أن يتوقف هذا الانفلات. حماية أمن المواطنين والزوار ليست ترفاً، بل هي صميم العقد الاجتماعي وأساس سيادة القانون. يتطلب الأمر اليوم أكثر من مجرد زيادة الدوريات الأمنية؛ بل يستوجب تعديلات تشريعية عاجلة تغلظ العقوبات على مرتكبي جرائم السرقة المتكررة، وتضمن تطبيقاً حازماً للقانون يردع الجناة أياً كانت جنسياتهم أو خلفياتهم. فغياب العدالة الناجزة، سيجعل من أزقة المدن العريقة حلبات صراع مفتوحة لا رابح فيها.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *