بَيْنَ تَضَامُنِ الْأَمْسِ وَمَأْسَاةِ 1975.. دَرْسَانِ فِي التَّارِيخِ مِنْ وَجْدَةَ إِلَى الْجَزَائِرِ: الْأَرْشِيفُ لَا يَنْسَى: يَوْمَ كَسَا الْمَغَارِبَةُ لَاجِئِي الْجَزَائِرِ.. وَيَوْمَ طُرِدَ أَبْنَاؤُهُمْ حُفَاةً صَبَاحَ عِيدِ الْأَضْحَى
يقف التاريخ أحياناً شاهداً صامتاً على مفارقات قاسية، تكشف عن معادن الشعوب من جهة، وعن حقيقة الأنظمة السياسية من جهة أخرى. في شريط أرشيفي نادر يعود بنا إلى حقبة الاستعمار، تظهر مشاهد مؤثرة من مدينة وجدة المغربية، تسجل لحظات إنسانية نبيلة؛ أطفال جزائريون صغار فارون من بطش الاستعمار، ينتظرون بلهفة تسلم “قشابة” مغربية دافئة تقيهم زمهرير الشتاء.
وفي الزاوية الأخرى، فتيات لاجئات يتعلمن الخياطة، يحولن أكياس الدقيق الفارغة إلى ملابس تستر أجسادهن المنهكة، بدعم وسخاء من أهالي المنطقة.
لم يكن هذا الأرشيف سوى قطرة في بحر التضامن المغربي المطلق مع ثورة التحرير الجزائرية.
فالمغرب، ملكاً وشعباً، لم يفتح حدوده ومنازل ممتلكاته فحسب، بل اقتسم رغيف الخبز والغطاء مع جيرانه.
تحولت وجدة إلى قاعدة خلفية وملاذ آمن لقادة الثورة الجزائرية، ورفض الملك الراحل محمد الخامس المساومة على الحدود مع المستعمر الفرنسي، مفضلاً تأجيل أي نقاش إلى ما بعد استقلال “الإخوة”.
لقد كانت تلك الأيام تجسيداً حقيقياً لعقيدة راسخة تؤمن بأخوة الدم والتاريخ والمصير المشترك.
لكن، كيف كافأ التاريخ، أو بالأحرى كيف كافأت السياسة هذا النبل الإنساني؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من القفز بالزمن إلى نونبر 1975. حينما سطر المغاربة ملحمة “المسيرة الخضراء” السلمية لاسترجاع أقاليمهم الصحراوية، لم يتقبل النظام الجزائري، بقيادة هواري بومدين، هذا الانتصار الدبلوماسي والشعبي.
وفي رد فعل اتسم بضغينة سياسية غير مسبوقة، اتخذ نظام بومدين قراراً يندى له الجبين، سُجل في صفحات التاريخ المظلمة تحت اسم “المسيرة الكحلاء” (المسيرة السوداء).
في صبيحة يوم مقدس، وهو يوم عيد الأضحى من منتصف دجنبر 1975، عوض أن تتبادل العائلات التهاني، أقدمت السلطات الجزائرية على طرد تعسفي شمل حوالي 350 ألف مواطن مغربي كانوا يقيمون بطريقة شرعية في الجزائر. المفارقة المؤلمة أن من أصدر قرار التشريد (بومدين)، هو نفسه الذي عاش في وجدة وشرب من مائها واحتمى بأهلها إبان المحنة.
لم تكن تلك العملية مجرد ترحيل إداري، بل كانت مأساة إنسانية مكتملة الأركان؛ فقد تم تجريد هؤلاء المغاربة من ممتلكاتهم، وأموالهم، وأوراقهم الثبوتية، وتم شحنهم في ظروف لا إنسانية ورميهم على الحدود.
الأسوأ من ذلك كان التشتيت القسري للعائلات، حيث فُصل الأزواج المغاربة عن زوجاتهم الجزائريات، في مشهد سيكولوجي قاسٍ اختير له يوم “العيد” عمداً، لكسر شوكة المغاربة وتحويل يوم فرحهم الديني إلى مأتم وشتات.
إن المقارنة بين الحدثين—تضامن الأمس وطرد 1975—ليست مجرد نبش في جراح الماضي، بل هي قراءة ضرورية في “عقيدتين” متناقضتين:
الأولى: عقيدة “دولة أمة” متجذرة في التاريخ، تُعلي من قيم الجوار، وتمد يد المساعدة دون حسابات ضيقة، وهو ما أثبته المغاربة شعباً وقيادة عبر التاريخ.
الثانية: عقيدة “نظام عسكري” بنى شرعيته ووجوده على افتعال العداء مع جاره المباشر، مستخدماً المدنيين العُزّل وروابط الدم كأوراق ضغط سياسية وانتقامية، ضارباً بعرض الحائط كل مبادئ حسن الجوار والاندماج المغاربي.
اليوم، وبينما تواصل وسائل التواصل الاجتماعي نبش هذه الأرشيفات، فإنها لا تفعل ذلك لإذكاء الأحقاد، بل لإنعاش الذاكرة الجماعية.
الأجيال الحالية من حقها أن تعرف أن المغرب كان دوماً في الموعد مع التاريخ بأخلاقه ونبله. ستبقى “القشابة” المغربية التي دثرت أطفال اللاجئين رمزاً للكرامة الإنسانية، وسيبقى طرد 350 ألف مغربي يوم العيد وصمة عار تذكرنا بأن الجحود قد يكتب فصلاً في السياسة، لكنه لا يمكن أبداً أن يطمس حقيقة التاريخ.
فيديو للمشاهدة
https://vt.tiktok.com/

