المَغْرِبُ وَلِيبْيَا: دِبْلُومَاسِيَّةُ البِنَاءِ الهَادِئِ فِي مُوَاجَهَةِ اسْتِقْطَابِ الجِوَارِ… لِيبْيَا بَيْنَ التَّضَامُنِ المَغْرِبِيِّ الصَّادِقِ وَابْتِزَازِ النِّظَامِ الجَزَائِرِيِّ
عبدالقادر كتـــرة
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة شمال أفريقيا، تبرز العلاقات المغربية الليبية كنموذج فريد يُلخص الفارق الجوهري بين “دبلوماسية الأفعال والمبادئ” و”سياسة الانتهازية والمحاور”. فالمتأمل في مسار العقد الأخير، يدرك بوضوح أن الرباط لم تكن يوماً مجرد مراقب للأزمة الليبية، بل كانت المظلة الآمنة التي استظل بها الفرقاء الليبيون كلما اشتدت العواصف، متسلحة بحياد إيجابي يحترم السيادة ويرفض التدخل في الشؤون الداخلية.
روح الصخيرات والتضامن الذي لا ينتظر مقابلاً لم يأتِ احتضان المغرب للمفاوضات الليبية من فراغ. من مدينة الصخيرات التي أثمرت الوثيقة المرجعية الأممية الأهم (اتفاق 2015)، مروراً بأكثر من عشر جولات تفاوضية في بوزنيقة ومدن أخرى، وصولاً إلى توافقات لجنة (6+6)، أسس المغرب لـ”هندسة سلام” حقيقية. لم يكتفِ المغرب بالدعم السياسي، بل ترجم تضامنه إلى أفعال على الأرض في أحلك الظروف.
يتذكر الليبيون جيداً كيف وقفت الرباط إلى جانبهم إبان الكارثة الإنسانية المروعة التي خلفها إعصار “دانيال” في درنة. ورغم أن المغرب كان يضمد جراحه إثر زلزال الحوز في التوقيت ذاته، إلا أنه استجاب لنداء الأشقاء، حيث شكلت الخبرة الهندسية المغربية طوق نجاة لتقييم وتفريغ سدود أخرى كانت تنذر بكارثة ثانية، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات الليبية في الكفاءة والصدق المغربي.
– إكراهات طرابلس.. وضغوط الجوار
أمام هذا الرصيد المغربي المشرف، يبرز تساؤل مشروع لدى الرأي العام: لماذا تتقاعس الحكومات المتعاقبة في طرابلس عن اتخاذ موقف سيادي وإيجابي صريح يدعم الوحدة الترابية للمملكة المغربية؟
الجواب لا يكمن في جحود ليبي، بل في “الهشاشة السياسية” و”الجغرافيا الملغومة”. فحكومة طرابلس تجد نفسها اليوم أسيرة إكراهات أمنية وسياسية تفرضها الحدود الشاسعة مع الجزائر. يدرك حكام طرابلس أن أي خطوة متقدمة نحو الرباط ستُقابل بضغوطات وحصار سياسي من النظام العسكري الجزائري، الذي اعتاد تحريك خيوط التوتر في المنطقة واستغلال ضعف جيرانه لفرض وصايته.
– عقدة الحدود وتراجع الجنرالات
أمام الحزم الليبي لم تكن التدخلات الجزائرية في ليبيا يوماً بغرض البناء، بل حكمتها هواجس أمنية ورغبة في تصفية الحسابات. وقد اصطدمت هذه الرغبات التوسعية بواقع صلب في الشرق الليبي؛ حيث لا ينسى المتابعون التحذير شديد اللهجة الذي وجهه المشير خليفة حفتر للجيش الجزائري، حين كادت الأمور أن تنزلق إلى مواجهة عسكرية مباشرة بسبب محاولات استغلال الفوضى للتوغل في الأراضي الليبية. هذا الحزم العسكري الليبي كشف محدودية سياسة استعراض العضلات، وأجبر القيادة في الجارة الشرقية على التراجع والانزواء نحو أساليب الدسائس الدبلوماسية، ومحاولة خلق تكتلات مغاربية مشلولة ومفرغة من مضمونها، هدفها الوحيد عزل المغرب.
– الصبر الاستراتيجي كرهان رابح
أمام هذه التعقيدات الجيوسياسية، تتبنى الدبلوماسية المغربية عقيدة “الصبر الاستراتيجي”.
فالرباط تدرك تماماً أن القيادات الحالية في ليبيا هي قيادات انتقالية تدير مرحلة أزمة، وبالتالي، ترفض الدبلوماسية الملكية ممارسة أي ابتزاز سياسي يربط التضامن بمواقف تخص قضية الصحراء المغربية.
المغرب يزرع اليوم بذور الثقة مع “الدولة الليبية” العميقة وشعبها، وهو على يقين بأن ليبيا المستقرة، الموحدة، والمتحررة من قيود الابتزاز الإقليمي، ستكون حتماً حليفاً استراتيجياً قوياً للمملكة. حتى يحين ذلك الوقت، سيظل المغرب الركيزة الثابتة التي تسند ليبيا متى مالت، في حين تستمر الأطراف الأخرى في حصد خيبات عزلتها الإقليمية، من دول الساحل جنوباً، إلى ليبيا شرقاً.

