عِنْدَمَا تَسْقُطُ الْأَقْنِعَةُ: “الْجَزِيرَةُ” تَبِيعُ طَوَاقِمَهَا فِي غَزَّةَ عَلَى مَذْبَحِ الِاسْتِثْمَارَاتِ… شِعَارَاتٌ عَلَى الشَّاشَةِ وَطَعَنَاتٌ فِي الظَّهْرِ، قِصَّةُ إِعْدَامِ 24 صَحَفِيًّا فِلَسْطِينِيًّا وَأُسَرِهِمْ بِقَرَارٍ قَطَرِيٍّ
عبدالقادر كتـــرة
على مدى عقود، صدّعت الآلة الإعلامية القطرية، وفي مقدمتها شبكة “الجزيرة”، رؤوس المشاهدين العرب بشعارات الممانعة، ودعم المقاومة، والانحياز المطلق للقضية الفلسطينية.
لم تترك الدوحة منبراً إلا واستخدمته لتخوين دول عربية أخرى، وتوزيع صكوك الوطنية، وانتقاد أي عاصمة تتخذ قرارات سيادية تراعي مصالحها الوطنية بحجة أن “فلسطين يجب أن تسبق كل مصلحة”.
لكن، عندما دقّت ساعة الحقيقة، ولامس الخطر المحفظة الاستثمارية القطرية في الغرب، سقطت الأقنعة وتلاشت الشعارات الرنانة في لمح البصر.
في خطوة صادمة ومجردة من أي التزام أخلاقي أو إنساني، أقدمت شبكة الجزيرة على إنهاء عقود 24 صحفياً ومصوراً من طواقمها العاملة في قطاع غزة.
هؤلاء ليسوا مجرد موظفين، بل هم الجنود المجهولون الذين نقلوا معاناة القطاع تحت نيران القصف، وساهمت تغطياتهم المكتوبة بالدم في رفع نسب مشاهدات القناة وتعزيز إمبراطوريتها الإعلامية.
ورغم أن الذريعة الأولية كانت “إعادة الهيكلة” وتحويلهم إلى نظام العمل بالقطعة في يوليو 2026، إلا أن الحقيقة التي طفت على السطح في سبتمبر كشفت عن وجه آخر تماماً.
القرار جاء كاستجابة مباشرة ومرعوبة لدعاوى قضائية رُفعت ضد الشبكة في الولايات المتحدة من قبل منظمات مؤيدة لإسرائيل، تتهم بعض هؤلاء الصحفيين بالارتباط بفصائل فلسطينية.
وبدلاً من أن تقف الدوحة بشبكتها العملاقة، وإمكانياتها المادية والقانونية الهائلة، للدفاع عن طواقمها الذين استُهدفوا ظلماً، اختارت الحل الأسهل والأكثر أنانية: التضحية بهم وإلقاؤهم في المجهول.
هنا تتجلى قمة النفاق السياسي والإعلامي. فالدولة التي نصّبت نفسها محامياً حصرياً لغزة، فضّلت حماية مكاتبها، وأصولها المالية، وعلاقاتها في واشنطن، على حماية 24 عائلة فلسطينية تعيش تحت نيران الحرب ووطأة المجاعة.
لقد كشف هذا القرار أن “البراغماتية” والمصالح العليا التي لطالما هاجمت قطرُ جيرانَها بسببها، هي ذاتها البوصلة التي تحرك الدوحة، ولكن الفارق الوحيد يكمن في براعة التغليف الأيديولوجي واستغباء العاطفة الجماهيرية.
تداعيات هذا القرار على الصحفيين المطرودين تتجاوز قطع الرزق؛ إنها بمثابة إعدام مهني وجسدي. فبمجرد سحب الغطاء المؤسسي عنهم، فقدوا الحماية القانونية التي قد تقيهم الاستهداف المباشر، وفقدوا الرعاية الصحية، وأصبحوا يحملون “وصمة قانونية” ستمنع أي وكالة أنباء دولية أخرى من توظيفهم خشية الملاحقة. لقد قُدموا كأكباش فداء على مذبح “الخنق القانوني” الذي تمارسه اللوبيات الإسرائيلية، بمباركة وتنفيذ من المؤسسة التي زعموا أنها سندهم.
التضامن الحقيقي لا يُختبر في استوديوهات الدوحة المكيفة، ولا في الخطب العصماء التي تُكتب بعناية لدغدغة المشاعر، بل يُختبر في الأزمات والمواقف المفصلية.
وما حدث في غزة اليوم هو درس قاسٍ يثبت أن القضية الفلسطينية، بالنسبة للبعض، ليست سوى ورقة استثمارية؛ تُرفع حين تجلب الشعبية والنفوذ، وتُحرق فوراً عندما تبدأ في تهديد الأرصدة والمصالح.

