دِبْلُومَاسِيَّةُ الْأَوْهَامِ: كَيْفَ أَسْقَطَ عَمْرُو مُوسَى وَرَقَةَ التُّوتِ عَنِ الْآلَةِ الدِّعَائِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ؟
عبدالقادر كتـــرة
لم تكد الآلة الإعلامية الجزائرية تطلق كذبتها الجديدة، في محاولة يائسة للاصطياد في الماء العكر، حتى جاءها الرد القاطع والسريع من العاصمة المصرية القاهرة.
فقد اختارت “البروباغندا” الرسمية هذه المرة أن تلعب بنار الأخبار الزائفة، متجاوزة كل الخطوط الحمراء للمهنية والأعراف الدبلوماسية، عبر تلفيق تصريحات وهمية للأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، تدعي فيها زعماً أن “المغرب يشكل خطراً على دول الجوار”.
لكن حبل الكذب القصير سرعان ما التفت على أعناق صانعيه؛ إذ لم يتأخر المستشار الإعلامي للدبلوماسي المصري المخضرم في الخروج ببيان نفي حاسم، لم يكتفِ بتكذيب الادعاءات جملة وتفصيلاً، بل وجه صفعة ناعمة لمروجي الإشاعات بتأكيده على “عمق الاحترام والتقدير الذي يكنه عمرو موسى للمغرب، ملكاً وشعباً”.
هذه الواقعة ليست مجرد زلة مهنية عابرة، بل هي انعكاس لحالة التخبط التي تعيشها الآلة الدعائية الموجهة في الجارة الشرقية.
ففي ظل العزلة الإقليمية وغياب أي اصطفاف عربي وازن مع أطروحاتها العدائية ضد الوحدة الترابية للمملكة، بات اللجوء إلى “اختلاق التصريحات” ووضع الكلمات في أفواه شخصيات دولية وازنة، الأسلوب الوحيد لمحاولة صناعة انتصارات وهمية وتسويقها للداخل المحلي المنهك بالأزمات.
إن اختيار شخصية بحجم عمرو موسى لم يكن اعتباطياً؛ فقد سعت الجهات المروجة لهذه الأكاذيب إلى استغلال رمزيته كأحد أعمدة الدبلوماسية العربية والمصرية لإضفاء شرعية مفقودة على خطابها. غير أن ما غاب عن مهندسي هذا التلفيق، هو أننا نعيش في عصر الانفتاح الرقمي، حيث لا يمكن إخفاء الحقيقة أو تزوير مواقف رجال الدولة الذين يمتلكون قنوات تواصل مباشرة وشفافة.
على المستوى الاستراتيجي، تمثل هذه الفضيحة الإعلامية “انتحاراً دبلوماسياً” بكل المقاييس.
فمن جهة، تفقد وسائل الإعلام التي انخرطت في هذه الحملة ما تبقى لها من مصداقية أمام الرأي العام المغاربي والدولي. ومن جهة أخرى، تضع صانع القرار الجزائري في موقف شديد الحرج أمام قوى إقليمية كبرى كـمصر، التي طالما حرصت على الحفاظ على علاقات متينة واستراتيجية مع الرباط، وترفض الزج باسمها أو بأسماء مسؤوليها في حروب إعلامية تخدم أجندات ضيقة.
خلاصة القول، تثبت هذه الحادثة حقيقة واحدة لا غبار عليها: الكيانات التي تبني سياساتها على صرح من الأكاذيب والتضليل، لا يمكنها أن تواجه قوة الحقائق الدامغة والدبلوماسية الهادئة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه المملكة المغربية حصد المكاسب الدبلوماسية وتوطيد شراكاتها الاستراتيجية على أرض الواقع، تصر أطراف أخرى على الاستمرار في مطاردة السراب، واختلاق معارك وهمية لا تورث أصحابها سوى المزيد من العزلة والانكشاف.

