الْمُفَكِّرُ وَالصَّحَفِيُّ الْمُعَارِضُ الْجَزَائِرِيُّ بُومَالَة: مِنْ اِغْتِيَالٍ سِيَاسِيٍّ إِلَى اِغْتِيَالِ السِّيَاسَةِ، فِي ذِكْرَى اِغْتِيَالِ الرَّئِيسِ بُوضِيَافَ أَحَدِ الْآبَاءِ الْمُؤَسِّسِينَ لِلثَّوْرَةِ التَّحْرِيرِيَّةِ وَالِانْزِلَاقِ الْكُلِّيِّ نَحْوَ الْعَشْرِيَّةِ السَّوْدَاءِ

الْمُفَكِّرُ وَالصَّحَفِيُّ الْمُعَارِضُ الْجَزَائِرِيُّ بُومَالَة: مِنْ اِغْتِيَالٍ سِيَاسِيٍّ إِلَى اِغْتِيَالِ السِّيَاسَةِ، فِي ذِكْرَى اِغْتِيَالِ الرَّئِيسِ بُوضِيَافَ أَحَدِ الْآبَاءِ الْمُؤَسِّسِينَ لِلثَّوْرَةِ التَّحْرِيرِيَّةِ وَالِانْزِلَاقِ الْكُلِّيِّ نَحْوَ الْعَشْرِيَّةِ السَّوْدَاءِ

عبدالقادر كتـــرة

ذكرى اغتيال المجاهد بوضياف عبر مؤامرة دبرها جنرالات العسكر الجزائري أبطال العشرية السوداء الدموية والوحشية، بعد أن استنجدوا به لرئاسة الجزائر لكسب شرعية مزيفة…

منشور للصحافي والمفكر الجزائري بومالة الشهم والجريء الموضوع تحت الحراسة البوليسية يلخص سياسة النظام العسكري الجزائري وحكمه وتحكمه في رقاب الشعب الجزائري بالحديد والنار والقمع والاستبداد…

حلول ذكرى اغتيال الرئيس المجاهد مفجر الثورة الجزائرية الراحل محمد بوضياف (في 29 يونيو 1992) تمثل جرحاً غائراً ونقطة مفصلية في تاريخ الجزائر المعاصر.

القضية تحمل أبعاداً سياسية وتاريخية معقدة، ويقدم لها الكاتب والصحفي فضيل بومالة مقاربة فلسفية وسياسية عميقة لحادثة الاغتيال، تتجاوز الجانب الجنائي للحدث لتركز على أبعاده الرمزية والسياسية في هذه التدوينة على صفحته الفيسبوكية التي جاء فيها: “أمران بعديان عراهما اغتيال محمد بوضياف رحمه الله في مثل هذا اليوم من جوان 1992

1- الجزائر انتقلت من الاغتيالات السياسية الى تكريس اغتيال السياسة.

2- الانتقال من الاغتيال الرمزي ل” الطيب الوطني” الى اغتيال روح “الوطنية نفسها”. وتبقى المواقف من بوضياف ما بعد جانفي 1992 أو من طبيعة نظام الحكم نفسه منذ الاستقلال إلى اليوم متعددة وخاضعة لمرجعيات و معايير تاريخنا المعاصر وواقعنا الكارثي المعيش هما اللذان سيحسمان فيما حدث و ربما يؤشران إلى مآلات البلاد وصفعات المستقبل.”

– من اغتيال سياسي إلى اغتيال السياسة: يشير الكاتب إلى أن الرصاصات التي استهدفت بوضياف لم تقتل شخصاً معارضاً أو منافساً فحسب، بل قتلت “مفهوم العمل السياسي” في الجزائر. لقد كان ذلك إعلاناً بإنهاء أي محاولة لبناء شرعية ديمقراطية أو مؤسساتية، وتكريساً لمنطق القوة والغلبة.

– اغتيال روح الوطنية: يصف الكاتب بوضياف بـ “الطيب الوطني”. بوضياف لم يكن مجرد رئيس عابر، بل كان أحد الآباء المؤسسين للثورة التحريرية (مجموعة 22 التاريخية). اغتياله كان بمثابة تحطيم لآخر الرموز التاريخية النظيفة التي كان يعلق عليها الجزائريون آمالهم لإنقاذ البلاد، مما أدى إلى اغتيال رمزي لروح الوطنية والثقة في مؤسسات الدولة.

– الواقع الكارثي كحكم للتاريخ: يخلص المنشور إلى أن تقييم مرحلة ما بعد يناير 1992 (تاريخ وقف المسار الانتخابي واستدعاء بوضياف) ومسار النظام، تحكمه معايير التاريخ والواقع المعيش المأزوم الذي يراه الكاتب “كارثياً”، وهو ما سيحدد مآلات مستقبل البلاد.

لفهم عمق هذه المأساة والمفارقات التي أحاطت بها، يجب وضع الحدث في سياقه الواقعي وتفكيك الروايات المحيطة به:

– الاستنجاد بالشرعية التاريخية: تم استدعاء محمد بوضياف من منفاه في المغرب (الذي دام قرابة 28 عاماً) في يناير 1992 لرئاسة “المجلس الأعلى للدولة”. جاء هذا بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد وإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

الهدف من استدعائه، كما يرى العديد من المحللين، كان توفير “غطاء شرعي وتاريخي” لقرار المؤسسة العسكرية بوقف المسار الانتخابي.

– الخروج عن النص ومحاربة الفساد: بمجرد توليه السلطة، لم يقبل بوضياف بلعب دور “الواجهة”. فقد بدأ في فتح ملفات الفساد الكبرى، وتحدث بشفافية عن “المافيا السياسية والمالية” التي تنهب مقدرات الدولة، وحاول تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي كبديل سياسي يعيد السلطة للشعب، مما جعله يمثل تهديداً مباشراً لمصالح دوائر نفوذ قوية داخل النظام (“الدولة العميقة”).

– جدلية الاغتيال والمؤامرة: رسمياً، أرجعت لجان التحقيق الحكومية عملية الاغتيال التي جرت في عنابة إلى “عمل معزول” قام به الملازم مبارك بومعرافي لدوافع شخصية أو تعاطفاً مع التيار الإسلامي الراديكالي.

غير أن هذه الرواية لم تقنع الشارع الجزائري ولا عائلة بوضياف ولا الطبقة المثقفة، حيث ترسخت القناعة التامة بأن الاغتيال كان “مؤامرة دبرت بليل” من داخل أروقة السلطة العسكرية والسياسية للتخلص منه بعد أن تجاوز الخطوط الحمراء.

إن الآثار المترتبة على اغتيال محمد بوضياف لم تنتهِ في صيف 1992، بل شكلت ملامح الجزائر لعقود:

شكل الاغتيال نقطة اللاعودة. فقد فقدت الدولة آخر خيوط الحوار والتهدئة، وانزلقت الجزائر نحو حرب أهلية طاحنة وعشرية دموية حصدت أرواح مئات الآلاف، وعمّ منطق الحديد والنار.

وترسخ لدى المواطن الجزائري شعور عميق باليأس من إمكانية التغيير من داخل النظام. هذه الهوة بين السلطة والشعب استمرت وتعمقت، وباتت أزمة “الشرعية” تلاحق كل الحكومات المتعاقبة.

أدى الحدث إلى تعزيز القبضة الأمنية وتراجع الحريات السياسية والإعلامية بحجة الحفاظ على بقاء الدولة، مما أخر التطور الديمقراطي الطبيعي للمجتمع الجزائري.

خلاصة القول، إن “الواقع الكارثي” والانسداد السياسي الذي أشار إليه فضيل بومالة هو ذاته التراكم الذي أدى لاحقاً إلى انفجار الحراك الشعبي السلمي في يناير 2019، والذي رفع شعارات تطالب بدولة مدنية وتغيير جذري لطبيعة النظام، وهي ذات المبادئ التي سعى بوضياف لإرسائها قبل اغتياله، وانتهت باغتيال الحراك وإعدامع برصاصات النظام العسكري الذي يواصل إلى حد الساعة اغتيال واعتقال وسجن الكلمة الحرة وحرائرها وأحرارها…

 

 

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *