الجزائر: حماقات النظام العسكري وفشل ذريع في دعوة المؤثرين لتجميل صورة الجزائر وتسويقها، فتحولت إلى تشويهها ونشر غسيلها وفضح سياسة عسكرها
عبدالقادر كتـــرة
“منذ حوالي سنة تقريبا و الجزائر مستمرة في نهج سياسة إستدعاء المؤثرين في كل القطاعات، بمن فيهم رجال الدين، في إطار إستراتيجية النظام لصناعة هوية بصرية إعلامية للبلاد، لكن في الغالب ما يحدث انفلات عند كل زيارة، و يتسبب الأمر في حدث هامشي ينتهي بالإساءة لصورة الجزائر، كما حدث مع المؤثر الأمريكي SPEED، منتصف يناير من سنة 2026، و الذي لديه متابعين عبر العالم يتجاوز عددهم الملياري متابع، حين تعرض لهجوم جماهيري كاد يسبب كارثة، و نقل المؤثر صورا غير حضارية على الشعب الجزائري، و كما حدث في زيارة البابا LIO، حين وقع تفجيران إرهابيان بالبليدة، و أثناء إلقاء البابا لكلمته وصف الجزائر بالدولة الشمولية ودعا المسؤولين لعدم الخوف من الحرية، و أيضا كما حدث مع الرحالة القطري “خالد الجابر” الذي قاد دراجته إلى “غار جبيلات” ليصور حال منجم الحديد المهجور، ففجر أكبر هزة سياسية داخل الجزائر، حيث أظهر المنجم كمشروع خدعة، و لا أثر للأشغال به، و تحولت المشاهد التي صوّرها المؤثر القطري إلى أداة لإدانة الرئيس عبد “المجيد تبون” شخصيا، إذ علق عليها الصحفي الجزائري الكبير، “يحيا أبو زكريا”، في منشور له بأنها مشاهد كارثية و مصيبة سياسية و زلزال سيقسم ظهر النظام الجزائري و يدمر صورة الرئيس، و أضاف الصحفي، أن ثمة جهة تريد التخلص من الرئيس بتسهيلها مهمة وصول الرحالة القطري إلى منجم “غار جبيلات”، كي يفجر فضيحة تجعل الشعب الجزائر يتقبل مستقبلا أي مصير للرئيس “عبد النجيد تبون”.
هذا مقطع من مقال يفضح سياسة النظام العسكري الجزائري وارتجاليته في تدبير الامور، ما هي الاسباب التي تدفعه لارتكاب هذه الحماقات التي تسيئ للجزائر وتشويه صورتها بدل تسويق صورة إيجابية؟
الأسباب التي تحول استراتيجية استدعاء المؤثرين من أداة لتسويق صورة إيجابية إلى نتائج عكسية تسيء لصورة النظام والبلاد إلى عدة عوامل هيكلية وتنظيمية:
1. الفجوة بين “البروباغندا” والواقع الميداني
تلجأ العديد من الأنظمة إلى التسويق الإعلامي كطريق مختصر لتلميع صورتها دون إحداث تغييرات حقيقية على أرض الواقع. الخطأ الاستراتيجي هنا هو أن المؤثرين والرحالة (مثل الرحالة القطري) يبحثون عن المحتوى الواقعي والملموس.
إرسال كاميرات مستقلة إلى مشاريع غير مكتملة أو مهجورة (مثل غار جبيلات) يكشف التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والتنفيذ الفعلي، مما يحول الحملة الترويجية إلى فضيحة سياسية.
2. العقلية الكلاسيكية في التعامل مع “الإعلام الجديد”
الأنظمة الشمولية أو شديدة المركزية معتادة على “الإعلام التقليدي” (التلفزيون والصحف الحكومية) حيث يخضع كل شيء للمونتاج، والرقابة، والموافقة المسبقة.
في المقابل، يعتمد الإعلام الجديد والمؤثرون على البث المباشر، العفوية، والتفاعل اللحظي (كما هو الحال مع اليوتيوبر SPEED). هذه العفوية تجعل من المستحيل على السلطات التحكم في الصورة النهائية التي تُبث للعالم، وأي خلل أمني أو تنظيمي يُنقل فوراً لملايين المتابعين.
3. الصراعات الداخلية (حرب الأجنحة)
غالباً ما تعاني الأنظمة المغلقة من صراعات خفية بين أجنحة السلطة (مؤسسات أمنية، عسكرية، ورئاسية). في مثل هذه البيئات، يمكن أن تُستخدم زيارات الشخصيات البارزة كأداة لتصفية الحسابات.
تسهيل وصول مؤثر إلى موقع يكشف فشل مشروع رئاسي قد لا يكون مجرد “خطأ تنظيمي”، بل ضربة سياسية متعمدة من جناح داخل النظام لإضعاف جناح آخر أو إحراج الرئيس أمام الرأي العام.
4. الجهل بطبيعة المؤثرين وجمهورهم
استدعاء شخصيات عالمية يتطلب دراسة دقيقة لطبيعة محتواهم. شخصية مثل SPEED معروفة بصناعة المحتوى الفوضوي والاعتماد على التفاعل الجماهيري الصاخب والمجنون في كل الدول التي يزورها.
دعوة مؤثر بهذا الحجم دون توفير خطة أمنية صارمة لاحتواء المراهقين والجمهور تعكس سوء تقدير فادح وارتجالية في التخطيط، مما يحول الزيارة إلى فوضى تُحسب على أنها “سلوك غير حضاري” للبلد المضيف.
5. غياب البيئة السياسية والاجتماعية المفتوحة
محاولة تسويق “الانفتاح” أو “التسامح” عبر دعوة شخصيات دينية كبرى (مثل البابا) في بيئة تعاني من احتقان سياسي أو أمني (مثل وقوع تفجيرات)، يضع الضيف في موقف يضطره لمقاربة الواقع.
الشخصيات العالمية المستقلة لا تقبل غالباً بأن تكون مجرد “ديكور سياسي”، بل تتحدث بما تراه (كالدعوة لعدم الخوف من الحرية وانتقاد الشمولية)، مما يجعل النظام يدفع ثمن محاولته استغلال الحدث للتسويق الخارجي دون معالجة الاحتقان الداخلي.
خلاصة القول، صناعة الهوية البصرية لا تُبنى فقط من خلال استئجار الكاميرات أو دعوة المشاهير، بل تتطلب بالأساس بنية تحتية حقيقية، استقراراً سياسياً، وشفافية. محاولة القفز على هذه الأساسيات واستخدام المؤثرين لتغطية الإخفاقات ينتهي دائماً بمفعول عكسي، لأن عدسة المؤثر المستقل هي بمثابة مرآة تكبر العيوب بدلاً من إخفائها.

