الجزائر المنهارة فاقدة السيادة الغذائية تستورد أكباش الأضاحي من سوريا الجريحة وليبيا التائهة والسودان المنكوبة…، وكذلك من دول أوروبية وأمريكية
عبدالقادر كتـــرة
“ما حدث في عيد الأضحى المبارك بدولة الجزائر، يؤكد أن البلاد تعيش وضعا يستوجب – و على عجل- نقاشا تشخيصيا كبيرا، بعد ما أعلن الإعلام الرسمي في الجزائر أن الحكومة لجأت إلى استيراد أكباش الأضاحي من سوريا التي بالكاد خرجت من حرب أهلية أحرقت البلاد، و من ليبيا التي لا نعرف من يقودها ومن يحكمها، ومن السودان التي أعلنت الأمم المتحدة أنها بلاد منكوبة وعلى حافة كارثة إنسانية…”. حسب ما جاء في مقال لموقع بوليساري موالي للنظام العسكري الجزائري المارق والخبيث والفاشل…
تحليل الوضع الاجتماعي والاقتصادي في الجزائر في ظل هذه المعطيات يتطلب نظرة فاحصة تتجاوز الحدث الآني لتصل إلى عمق التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الجزائري.
إن قرار استيراد الأضاحي من دول تشهد أزمات مركبة (مثل سوريا، ليبيا، والسودان) إضافة من عدة دول أوروبية وأمريكية إطار خطة لتغطية الطلب المحلي وضبط الأسعار (تشمل قائمة الدول الموردة الرئيسية: إسبانيا، رومانيا، المجر، البرازيل، الأوروغواي، صربيا، جورجيا)، يعكس حالة من “إدارة الأزمة” التي تفرضها الضرورات الميدانية مقابل الطموحات الاستراتيجية.
1. البعد الاقتصادي: “إدارة الندرة” مقابل “السيادة الغذائية”
تلجأ الحكومات عادة إلى استيراد السلع الحساسة (مثل الأضاحي في موسم ديني ذروة) لكسر الاحتكار وتخفيف الضغط التضخمي الذي يفرضه التجار المحليون. الأرقام الرسمية تشير إلى محاولات لتوفير “مليون رأس غنم” لضبط الأسعار، وهو ما يعكس قلق السلطات من انفلات أسعار اللحوم وتأثير ذلك على القدرة الشرائية للطبقة الوسطى والفقيرة، والتي تعد محركاً أساسياً للاستقرار الاجتماعي.
إن الاضطرار للاستيراد من دول تعاني هي نفسها من أزمات، يسلط الضوء على فجوة في “السيادة الغذائية”. فرغم المشاريع الطموحة لزيادة الإنتاج الوطني، يظل الاعتماد على الاستيراد هو الأداة الأسرع (وإن كانت مؤقتة ومكلفة) لمعالجة نقص العرض المحلي أو ارتفاع تكاليف الأعلاف والمدخلات الزراعية.
2. البعد الاجتماعي: “فجوة الثقة” والاحتجاج الرقمي
حملات المقاطعة الشعبية التي ظهرت عبر منصات التواصل الاجتماعي (مثل شعار “خليهم يبعبعوا وحدهم”) تعكس تحولاً في العلاقة بين المواطن والسياسة الاقتصادية. لم يعد المواطن يكتفي بالشكوى، بل بات يستخدم أدوات الضغط الرقمي للرد على الغلاء.
استيراد اللحوم من مناطق نزاعات يفتح باب التشكيك لدى الرأي العام حول معايير الجودة، واللوجستيات، والشفافية في العقود التجارية. هذا التشكيك ليس مجرد نقاش تقني، بل هو مؤشر على تآكل الثقة في قدرة الإدارة العامة على اتخاذ قرارات تضمن للمواطن “الأمان الغذائي” وليس فقط “توفر السلعة”.
3. التحديات الهيكلية
رغم مساعي التنويع، لا يزال الاقتصاد مرتبطاً بعائدات النفط والغاز. التقلبات في الأسعار العالمية تجعل الحكومة في وضع حرج بين “الإنفاق الاجتماعي” للحفاظ على السلم الأهلي، وبين “الاستثمار الهيكلي” لإنقاذ الزراعة والصناعة.
ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية (الأعلاف، الأسمدة) عالمياً أدى إلى جعل الإنتاج المحلي أكثر كلفة، مما دفع الحكومة للاستيراد كحل “أقل سوءاً” لتجنب صدمة الأسعار المحلية، حتى لو كان ذلك على حساب صورتها في إدارة الموارد الوطنية.
خلاصة القول، إن ما يحدث ليس مجرد عملية تجارية عابرة، بل هو اختبار لـ “مرونة النظام الاقتصادي”. فالدولة التي تطمح لأن تكون لاعباً إقليمياً واقتصادياً كبيراً تواجه تحدياً حقيقياً عندما تصبح “شريحة اللحم” قضية رأي عام ومصدر توتر سياسي.

